عربية بنكهة فلسطينية

رغم إعلان النصر بالموصل.. لماذا لم نرَ أسرى من داعش؟.. تعرَّف على أسرار المعركة الضارية التي تشبه ستالينغراد

149

بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي النصر على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الموصل (ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد)، ظلَّ هناك أشخاص ضعفاء وهزيلون يظهرون من الأنفاق والطوابق السفلية بالمدينة المحطمة، ومن بينهم كبار السن الذين يحملهم أبناؤهم على ظهورهم، والنساء اللاتي يرتدين العباءات ويسحبن وراءهن أطفالهن العطشى.

وبين أطلال ما كان يعرف يوماً باسم مسجد النوري، الذي يرجع بناؤه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، الذي قام مقاتلو داعش بتفجيره الشهر الماضي، يونيو/حزيران 2017، في أيامهم الأخيرة البائسة من المعركة، لفت ضابط القوات الخاصة العراقية الانتباه إلى الأسر التي تقطن الأطلال دون عائل.

وقال: “كل هؤلاء من تنظيم داعش. فقد جلب المقاتلون أسرهم الموالين إلى المدينة القديمة، ولكن ما الذي نستطيع فعله؟ حسبما نقل عنه تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وتم اعتقال شابين مصابين على الفور، وكلاهما في سن التجنيد، رغم توسل أسرتيهما. وقالت فتاة تشير إلى رجل مصاب بندبة كبيرة وحديثة في بطنه “أقسم أنه أصيب على يد أحد القناصة حينما ذهب لإحضار الماء من النهر”.

وبعد مضي نحو ثلاثة أعوام من إعلان زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، الخلافة في المدينة الواقعة شمالي العراق، من أعلى المسجد المهدم حالياً، انهارت “الخلافة” في النهاية، بحسب ما أعلن عبادي خلال الزيارة التي قام بها، الأحد الماضي 9 يوليو/تموز 2017.

ومع ذلك، وبعدما ألقى العبادي كلمته، استمر القتال في عدد من الشوارع والأزقة بمدينة الموصل القديمة، وتمت محاصرة بقايا عناصر المقاومة البائسة لتنظيم داعش، وفقاً للغارديان .

 

لا شيء يقارن بهذه المعركة

 

خاض الجنود العراقيون ووحدات القوات الخاصة معركة على مدار تسعة شهور لاستعادة المدينة؛ ومع ذلك، أثبتت الأسابيع الأخيرة للقتال في الحي القديم بأزقته الضيقة ومنازله الحجرية وشبكة أنفاقه المتصلة مدى صعوبة القتال.

وقال العقيد فلاح، رئيس أركان قوات العمليات الخاصة العراقية: “شهدنا الكثير وعانينا العديد من الخسائر خلال ثلاث سنوات من قتال تنظيم داعش، ولكن لا شيء يقارن بما رأيناه خلال الأسبوعين الأخيرين بالمدينة هنا”.

وفي هذه الشوارع المتداخلة حيث لا توجد جبهة مواجهة ثابتة أو مناطق آمنة، كان المدنيون هم من يتحملون وطأة القتال الكبرى.

وهنا اختفى الاهتمام الذي كانت تبديه القوات العراقية لإنقاذ حياة المدنيين. وحينما واجه الجنود الذين يتقدمون صوب المدينة مقاومة، تم استدعاء الدعم الجوي وأدى القصف الجوي اللاحق إلى تحطيم أجزاء كبيرة من المدينة وسكانها.

 

هل انتهى داعش؟

 

وترى صحيفة واشنطن بوست الأميركية، في تقرير نقله موقع “مصراوي“، أن تحرير الموصل هو العمل الأول فقط في دراما متوترة تتكشف في شمالي العراق، حيث ستتصارع الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد لإعادة تأكيد السيطرة، في الوقت الذي يسعى فيه أكراد العراق إلى إجراء استفتاء على الاستقلال في منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي، لاسيما أن لهم أهمية حاسمة في المعركة ضد تنظيم داعش، فضلاً عن انعدام الثقة بين العراقيين السُّنة والميليشيات المدعومة من إيران.

وأكد التقرير أن تأمين المناطق المحررة من قبضة داعش أصعب بكثير من كسب الحرب؛ إذ شدَّد تقرير صادر عن مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت”، على أهمية فرض الأمن بعد التحرير والحكم والسياسة، لافتاً إلى استمرار الخلايا المسلحة في “المدن المحررة”، التي كان من المفترض أن يكون قد خرج منها المتطرفون بالفعل.

وبحسب تقرير لـ”مركز مكافحة الإرهاب”، فإن خروج مسلحي داعش من وضع الحكم الرسمي في العراق وسوريا، ليس مجرد الخطوة الأولى الهامة، ولن يضمن تحقيق الاستقرار؛ إذ من الممكن أن تستفيد أي منظمة إرهابية من السلام الهشِّ، وذلك لأن الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور داعش وتتلخص في الاضطرابات السياسية والتوترات الطائفية لن تتم معالجتها في أي وقت قريب.

 

انتهاكات

 

واتهم تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، الثلاثاء 11 يوليو/تموز 2017، تنظيم داعش باحتجاز المدنيين عن عمد لاستخدامهم دروعاً بشرية، حسب الغارديان.

ولكن في المقابل، اتهم التقرير القوات الحكومية وحلفاءها كذلك، باستخدام أسلحة تفجيرية غير دقيقة، ما يؤدي إلى إمكانية اقتراف جرائم حرب.

ورفض نائب القائد البريطاني للتحالف المناهض لتنظيم داعش التقرير في اليوم التالي (الأربعاء) واعتبره “غير مسؤول إلى حد كبير”.

كما نقلت واشنطن بوست عن إيولاندا جاكوميت، المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة الدولية، قولها إن المدنيين الذين يهربون يتحدثون عن تجارب مروعة تحت نيران القصف الجوي والمدفعي والقناصة والسيارات المفخخة، و”هم يعيشون في خوف، ويختبئون في منازلهم دون طعام أو ماء”.

وترصد الغارديان في تقريرها حالة القوات العراقية قائلة “داخل إحدى الكنائس، استرخى الجنود المرهقون بجوار الأعمدة السميكة، حيث يسطع الضوء وسط الأسقف المنهارة والمغطاة بالأنقاض والأسلحة والأطعمة”.

وقام بعض الجنود بجمع العدة والسلاح وتوجهوا إلى الخارج لاستئناف البحث عن أي جهاديين لا يزالون يختبئون في الطوابق السفلية والأنفاق.

وللقيام بذلك، اضطروا إلى تسلق الكتل الخرسانية والمباني الحجرية. فقد أدت الضربات الجوية إلى هدم مبانٍ بأكملها، وعمل حفر عميقة، واستخراج أكوام كبيرة من الأتربة والأنقاض، بل وضع هياكل السيارات على أسطح المنازل.

يُعد الدمار شاملاً، حسب الغارديان، حتى إن آثار المباني قد لا يتبقى منها شيء على الإطلاق. وربما تجد باباً أو إطار نافذة أو أريكة مكسورة وجميعها يكسوها الرماد. وتغطي جثث القتلى المنطقة، وتنتشر رائحة الجثث المتحللة والأطعمة الفاسدة.

ومن خلال فتحة صغيرة بالجدار، تسلق الجنود الجدران وصولاً إلى غرفة مملوءة بالصديريات والملابس الداخلية الملونة. ومروا أعلى جثة أحد المقاتلين تتدلى ساقه من عجلات إحدى الدراجات البخارية، ثم عبروا شارعاً صغيراً يعج بالمباني المهدمة.

 

لماذا لم يتم أخذ أسرى؟

 

وخلال الأسبوع الأخير من القتال، كان التقدم اليومي يقاس بالمتر، حيث كان الجنود والجهاديون يتواجدون في معظم الأحيان في ذات المباني ويتبادلون إطلاق النيران من خلال فتحات بالجدران، (في قتال يبدو شبيها بما حدث في معركة ستالينغراد الشهيرة بين الروس والألمان خلال الحرب العالمية الثانية).

وأشار أحد الجنود إلى منزل لم يتبق منه سوى غرفة واحدة. “هَاجَمَنَا انتحاريان، جاء أحدهما يهرول تجاهنا ومعه عكازان”. وقال إن أربعة أشخاص آخرين فجروا أنفسهم بالقرب من هذا المكان.

ففي هذه الحرب التي لم يتم خلالها أسر أحد، قام الجهاديون بارتداء صديريات انتحارية انتظاراً للجنود المتقدمين صوبهم.

قام أحد مقاتلي تنظيم داعش المصابين بتفجير حزامه الناسف منذ يومين في مبنى كان مستخدماً حتى ذلك الحين كمستشفى ميداني. وترقد جثته المتفحمة على أرضية الطابق الأرضي المحترقة.

ألقى الجنود القنابل عند مداخل الطابق السفلي قبل إغلاقه، ثم تسلقوا الجدران نحو مبنى لا يزال مشتعلاً على حافة المدينة القديمة. ونظر الجنود من خلال واجهة المبنى المحطمة إلى منظر مدينة الموصل وشوارعها التجارية المهدمة والجسر المعدني المحطم ونهر دجلة المتدفق ذي المياه الزرقاء.

وأطلق أحد أفراد قناصة تنظيم داعش البائسين النار على مجموعة من رجال الشرطة المتمركزين عند فوهة الجسر، واصدمت الرصاصات بالعربات المدرعة محدثة دوياً هائلاً.

ثم هبطت طائرة مقاتلة، وانطلق صاروخ وحدث انفجار، وارتفعت سحب الدخان بالسماء، وصمت مقاتل آخر عن الحديث.

 

نقطة التحول لداعش

 

وكان لاحتلال داعش لمدينة الموصل، الذي جرى في 10 يونيو/حزيران 2014، دور محوري في الجانب النفسي لدى الطرفين؛ حسب تقرير لموقع “الخليج أون لاين“، فالقوات العراقية تعرضت بعده لانهيار سريع، بينما عناصر التنظيم رفع احتلالهم الموصل من معنوياتهم بنسبة كبيرة، وحفزهم للسيطرة على مناطق جديدة، وكانت المدينة هي البوابة التي نفذ منها التنظيم إلى مدن أخرى في العراق.

فقد مكن احتلال الموصل التنظيم من فرض سيطرته وتوسعه على مناطق في العراق، وبقي هذا الأمر حتى اليوم حدثاً يثير الاستغراب؛ فقوة التنظيم آنذاك كانت قليلة جداً، وهي لا تتعدى مئات من المقاتلين، يعتمدون على أسلحة خفيفة في مقابل قوة حكومية كبيرة ومدججة بالأسلحة كانت تفرض طوقاً أمنياً على المدينة، داخلها وخارجها.

وكانت الموصل التي تقع على بعد نحو 400 كلم شمالي العاصمة بغداد هي البداية نحو تمدد سريع سجَّله التنظيم في فترة قياسية؛ إذ تمكن خلال وقت قصير من فرض وجوده على نحو ثلث مساحة العراق خلال صيف عام 2014، ثم سوريا التي سيطر على أجزاء واسعة منها.

انهيارات القوات الأمنية لم تكن فقط في الموصل؛ بل تبعتها انهيارات للقوات الأمنية العراقية جراء هجمات تنظيم داعش، الذي امتلك قوة إضافية مادية ومعنوية، بعد أن استولى على أسلحة مختلفة، منها دبابات وصواريخ وقاذفات وأسلحة مختلفة، كما أن عدد مقاتليه ارتفع كثيراً بانضمام ناقمين من قوات الأمن، وسجناء أطلقهم من المعتقلات في المناطق التي سيطر عليها.

وسرعان ما كوّن التنظيم مجاميع تابعة له في عدد من الدول، وصار الشغل الشاغل لوسائل الإعلام، ووكالات الاستخبارات الدولية؛ إذ نفذ عشرات التفجيرات بمناطق مختلفة من العالم، فضلاً عن التفجيرات في دول عربية، لا سيما العراق.

المحلل العسكري، اللواء المتقاعد ناظم صبحي توفيق، قال لموقع “الخليج أون لاين”، إن تحرير الموصل لا يعني بالضرورة القضاء على تنظيم الدولة في العراق.

وأضاف أنه “إذا لم تتم سيطرة القوات العراقية على جميع هذه المناطق وتحكم قبضتها، وتضبط الحدود مع سوريا بعشرات المخافر، وتراقب البراري بالطائرات والدوريات الأرضية، وتديم زخمها في كل هذه البقاع الشاسعة، فإن داعش وكل ما يتعلق به في العراق لا يمكن اعتباره منتهياً”.

واليوم وبعد ثلاثة أعوام ونيّف من سيطرته عليها، يخسر تنظيم داعش وجوده في الموصل، وقد تحولت المدينة بجانبها الغربي إلى أطلال وبقايا هياكل أبنية تصفر فيها الرياح، تشير إلى وجود حياة كانت تدبّ فيها.