عربية بنكهة فلسطينية

معهد بريطاني: بن سلمان يعد بإصلاحاتٍ في كل شيء إلا السياسة، ولهذه الأسباب لن يستطيع إسكات المعارضة للأبد

0 205

قالت جين كينينمونت نائبة رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعهد تشاثام هاوس البريطاني إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لن يستطيع إسكات المعارضة في بلاده للأبد بينما يقوم هو بتغيير العقد الاجتماعي في البلاد عبر سياساته التي تتحدث عن الإصلاح في كل مجال إلا السياسي.

ورأت جين كينينمونت في مقال نشر بموقع المعهد أن محمد بن سلمان لا يشعر بأي حاجةٍ ملحةٍ إلى إصلاح سياسة بلاده، لكنَّه لن يستطيع إسكات المعارضة إلى الأبد.

 

تغيير العقد المؤسس للبلاد

 

وقالت الكاتبة إن ولي العهد السعودي الجديد، محمد بن سلمان البالغ، 31 عاماً، يقدِّم نفسه باعتباره مناصراً للحداثة، كما ينظر له مؤيدوه باعتباره الشخص الذي سيجعل المملكة مواكبةً لاحتياجات سكانها وتطلعاتهم، بعد أن اعتادوا أن يحكمهم رجال في الثمانينات من العمر على الرغم من أنَّ معظمهم لم يتجاوز الثلاثين من عمره. أمَّا منتقدوه فينظرون له باعتباره غرَّاً وطائشاً.

وأضافت “أنه أياً ما كان المنظور الذي سنرى به الأمور، فإنَّ محمد بن سلمان يربك النموذج التقليدي للحكومة في السعودية على عددٍ من الصُعُد في آنٍ واحد”.
فقد تغيَّرت السياسة الخارجية تغيراً كبيراً، بدءاً من الحرب في اليمن -الحرب الأولى التي قادتها المملكة العربية السعودية من نشأتها كدولة- إلى الانضمام إلى الإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر في مقاطعة قطر.

علاوةً على ذلك، فإنَّ صعوده المفاجئ إلى منصب ولي العهد في شهر يونيو/حزيران 2017 قد أحدث قطيعةً مع التقاليد السائد في العائلة المالكة؛ إذ كانت السلطة تُقتسم منذ أمدٍ بين الإخوة غير الأشقاء العجائز، ولم ينتقل الحكم من أبٍ إلى ابنٍ إلا مرةً واحدةً فقط.

تقول الكاتبة “إنه في حين يُحدث محمد بن سلمان تغييراً في المملكة من عدة جوانب، فإنَّ هناك جانباً يغيب الإصلاح عنه، وهو جانب الإصلاح السياسي. ومع ذلك، لا يمكن أن يجري تجاهل هذا إلى الأبد؛ إذ إنَّ كل التغيرات الأخرى تؤدي إلى إحداث تغيرٍ في العقد الاجتماعي الذي أسسته المملكة على مر العقود”.

ويربط بن سلمان، وعينه على مخاوف الشباب السعودي، نفسه بشكلٍ وثيق برؤية السعودية 2030؛ والتي هي عبارة عن حزمةٍ من الإصلاحات الاقتصادية لتقليل اعتماد المملكة غير القابل للاستمرار على النفط، وخلق المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص، بالإضافة إلى التخفيف التدريجي من القيود الاجتماعية الصارمة، بما في ذلك إنشاء هيئةٍ حكوميةٍ جديدة للترفيه تجلب حفلات موسيقى البوب إلى المملكة.

 

عودة عن الإصلاحات الاقتصادية

 

تَعِد رؤية 2030، بالاعتماد على سلسلةٍ كاملةٍ من سياسات التنويع الاقتصادي التي وضعتها السعودية على مر السنين، بالنهوض بالمملكة لتصبح مركزاً للأعمال، والتجارة واللوجستيات، والسياحة. كما يخطط محمد بن سلمان أيضاً لبيع حصةٍ من شركة الزيت العربية السعودية (آرامكو)، التي تعد أكبر شركات النفط على مستوى العالم، واستخدام العائد من بيع تلك الحصة لتأسيس صندوقٍ سيادي. وتكمن الفكرة في أن يحل قطاع خاص مزدهر محل الدور التقليدي للقطاع العام في توفير الوظائف وتعزيز النمو.

وتعد هذه ضرورة؛ إذ توضِّح اتجاهات أسعار النفط أنَّ الحكومة لا يمكنها أن تتحمل تكلفة الاستمرار في التوسُّع في النفقات الحكومية إلى أجلٍ غير مسمى. وتكمن المشكلة، حسب الكاتبة، في أنَّ جذب الاستثمار الخاص يتسم هو الآخر بالصعوبة حين تنخفض أسعار النفط، إذ يصر المستثمرون على الحكم على فرص السعودية في النمو استناداً إلى سعر النفط.
وعلى ذلك، فإنَّ الآثار السلبية للتقشف المالي قد وجدت صداها على الفور، بينما لا تزال المزايا الموعودة لم تتحقق بعد. وفي تحرك درامي، خفَّضت الحكومة نظاماً معقداً من المزايا في القطاع العام، الذي يوظف ضِعف عدد السعوديين الذين يوظفهم القطاع الخاص، ما أدى إلى تخفيض الأجر الصافي للعديد من الناس بواقع 20%. وبطبيعة الحال، اشتكى الناس. ولتهدئة خواطر العامة، عدل الملك سلمان، والد محمد بن سلمان، عن هذا الخفض في أبريل/نيسان 2017 وأمر بصرف تعويضٍ بأثرٍ رجعي قيمته أجر ستة أشهر.

كانت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، قد استبعدت في افتتاحيتها عقب تولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منصبه الجديد، نجاح سياساته، مشيرة إلى عدد من الأسباب التي قد تعجّل فشله.

ونقلت صحيفة العربي الجديد عن واشنطن بوست قولها إنّ الإصلاحات الاقتصادية الموجهة نحو السوق تبدو متوقفة، مشيرة في الوقت عينه، إلى أنّ “مبادرات محمد بن سلمان العدوانية في الشؤون الخارجية، تثبت هزيمتها الذاتية، وتضرّ بمصالح الولايات المتحدة”، حسب قولها.

 

ارتداد متوقع

 

أظهر ذلك التراجع صعوبة تغيير العرف الاقتصادي في دولةٍ تشكَّل فيها العقد الاجتماعي لعقود بقدرة الحكومة على صرف الأرباح دون الحاجة إلى فرض ضريبةٍ على الدخل.
غير أنَّ هذه القصة قديمة، تكرَّرت عدة مرات في السعودية ودول الخليج الأخرى. كان بوسع القيادة الجديدة توقُّع ذلك الارتداد، والاستعداد له بشكلٍ أفضل، من خلال إدخال التغييرات بشكلٍ تدريجي أكثر من ذلك، وإيصالها إلى العامة بشكلٍ أفضل، والعمل على تأسيس شبكات أمانٍ اجتماعي قبل بدء برنامج التقشف. وبالتطلع إلى الأمام، يمكن توقُّع أن يكون مجال الوظائف هو التحدي القادم.

سيؤدي خفض الإنفاق الحكومي وخصخصة هيئات حكومية إلى فقدان الوظائف. وسيستغرق القطاع الخاص سنوات لتعويض الوظائف المفقودة في القطاع العام. وتفرض مخاطر تزايد التمييز والإقصاء الاجتماعي عدداً من المخاطر في نظامٍ سياسي تأسَّس على تقديم الدولة للمزايا بصورةٍ أبوية. وينبغي معالجة تداعيات ذلك على العقد الاجتماعي.

يقود محمد بن سلمان التغيير في السياسة الاقتصادية، وقطاع الأعمال، والسياسة الخارجية، والأعراف الاجتماعية، وطريقة تقاسم السلطة داخل الأسرة الحاكمة؛ وهو ما يعني التغيير في كل مجالٍ تقريباً، باستثناء الإصلاح السياسي. ففي حين أدخل الملك عبدالله الانتخابات البلدية وعيَّن نساءً للمرة الأولى في مجلس الشورى الاستشاري، لم تضع القيادة الجديدة أي أسسٍ لأي مقترحاتٍ للإصلاحات الاقتصادية؛ إذ لا تشعر بأي حاجةٍ ملحةٍ إلى القيام بذلك.
فقد ردع الفشل الذريع الذي مُنيت به الثورات العربية معظم السعوديين عن الحشد لأي تغييرٍ سياسي داخل المملكة. وقد اعتُقِل بعض السعوديين، في حين تخوَّف البعض الآخر ببساطةٍ من أنَّ التغير السياسي السريع ربما يجلب لهم ما هو أسوأ.

 

التحدّي الآتي من الجهاديين بعد إسكات المعتدلين

 

وحيث إن المملكة أسكتت صوت المعتدلين فيها، فإنَّ ما يمثلون تحدياً خطيراً للنظام يقتصرون الآن على المجموعات الجهادية المتطرفة، داعش والقاعدة، التي ضمت إلى صفوفها الآلاف من السعوديين، لكنَّها استبعدت أغلبية سكان المملكة من غير الراغبين في القيام بثورةٍ تستخدم العنف.
وبينما دأبت الولايات المتحدة على الدعوة إلى القيام بإصلاح سياسي في المملكة، لا توجد سوى قلة قليلة فقط في الغرب لديها الرغبة لفعل ذلك الآن. إذ سيكون الرد على دعوات الإصلاح من جانب القيادات السعودية ببساطة هو أنَّ إدخال إصلاحات سياسية على الطراز الغربي، مثل إدخال مكون منتخب إلى مجلس الشورى، سيكون غير مناسب، أو من شأنه تمكين المتطرفين.

غير أنَّ هذه الأسباب تحديداً هي التي ينبغي أن تدفع محمد بن سلمان إلى تمكين السعوديين من تطوير أفكارٍ أكثر ملاءمة للوضع الداخلي فيما يتعلق بالتطوير والإصلاح السياسيين، لتوفير بدائل للنماذج المستوردة، وبالطبع للنماذج المتطرفة. وبالرغم من كل شيء، فإنَّ التغييرات العديدة التي يصورها تشير إلى مستقبل لم تعد الوظائف فيه مضمونةً للسعوديين، ولم يعد بوسعهم فيه الركون إلى الولايات المتحدة لتأمينهم، كما لم يعد رجال الدين والأمراء من ذوي النفوذ متأكدين من مكانتهم. وكل هذا مرتبطٌ بإرباك العقد الاجتماعي الضمني، بما لذلك من تداعيات سياسية بارزة.

تختم الكاتبة مقالها بالقول “لن تخضع المعارضة السعودية للقهر إلى الأبد، وينبغي على محمد بن سلمان ألا يفوت فرصة السبق فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي”.

loading...
loading...
تعليقات
Loading...