عربية بنكهة فلسطينية

الأقصى.. الحرب على الكيلومتر الأخير من فلسطين

787

واصل الفلسطينيون، الرباط أمام المسجد الأقصى وفي محيطه، مدفوعين بارتفاع الروح المعنوية للمقدسيين في مواجهة الاحتلال، بعد انتصار أوليّ على محاولات الاحتلال فرض واقع جديد في المسجد الأقصى وعلى أبوابه، فيما صلى من تجاوزت أعمارهم الخمسين عاماً داخل المسجد الأقصى وفي باحاته.

وقد تمكنت سلطات الاحتلال من خفض أعداد الفلسطينيين الذين تمكنوا من الوصول أولاً إلى القدس نفسها، عبر سلسلة من حواجز الجيش والشرطة، والتي تم نشرها في ثلاث دوائر أمنية حول البلدة القديمة، ومن ثم حول مدينة القدس التاريخية. وتم بالتالي وضع حواجز على مداخل القرى والأحياء الفلسطينية التي ضمها الاحتلال بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، إلى منطقة نفوذ القدس، مثل شعفاط وكفر عقب وبيت حنينا شمالاً، والعيساوية والطور شرقاً، وجبل المكبر غرباً، وفي الدائرة الثالثة على مداخل القدس المحتلة من الداخل الفلسطيني أي عبر طريق اللطرون، وشارع “عابر 6″، وطريق رأس العين التاريخية.

لكن تطويق هذه المناطق لم يخفف التوتر الشديد الذي ساد في دولة الاحتلال، مع استمرار الجدل الداخلي بين مكونات اليمين الإسرائيلي في معرض المزايدات الداخلية بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، من جهة، وحزب “البيت اليهودي” من جهة أخرى، لا سيما أن الأخير اتهم نتنياهو بالتراجع بشكل يهدد إسرائيل مستقبلاً ويجعلها عرضة “لمزيد من الابتزاز الفلسطيني”.

ومع هذا السجال الداخلي في صفوف اليمين نفسه، برزت الخلافات بين المؤسسة الأمنية، وتحديداً جهاز “الشاباك” الإسرائيلي، وبين أنصار نتنياهو وديوانه، على أثر الحملة التي شنها وزراء في الحكومة وأعضاء كنيست من “الليكود” ضد قادة “الشاباك” واتهام الجهاز كله بأنه “جبان”، وفق تعبير رئيس الائتلاف الحكومي، دافيد بيطان، أو وصف قادة الجهاز بأنهم “غريبو الأطوار”، بحسب قول وزيرة الثقافة، ميريت ريجف. وهؤلاء يحملون “الشاباك” والأذرع الأمنية الأخرى المسؤولية عن قرار “الكابينت” السياسي والأمني الإسرائيلي بسحب البوابات الإلكترونية وإزالة كل الكاميرات والحواجز الحديدية من أمام بوابات الأقصى، يوم الخميس، والإسهام في منح الفلسطينيين لأول مرة سبباً للشعور بالفرح والانتصار. وهذا الشعور تجلى عند تدفق عشرات الآلاف منهم إلى المسجد الأقصى لأداء صلاة العصر، قبل أن يعمد الاحتلال إلى تفريقهم بالغاز المسيل للدموع وبالقنابل الصوتية.

وواصل المحللون والمراقبون في الصحف الإسرائيلية، أمس، توجيه الانتقادات الشديدة لخطوات رئيس حكومة الاحتلال، منذ قراره بنصب البوابات الإلكترونية، في 14 يوليو/ تموز، بعد مشاورات قصيرة يتضح أنها خالفت قواعد البروتوكول الرسمي في إسرائيل، ومروراً وبطريقة إدارته للأزمة. والانتقادات تشمل كيفية توظيف نتنياهو لحادثة السفارة الإسرائيلية في عمان، مساء الأحد الماضي، والتلويح بورقة العلاقات مع الأردن لتمرير قرار سحب كافة البوابات الإلكترونية وإلغاء كافة الإجراءات الأخرى ضمن جلسة “الكابينت”، علماً أن القرار برفع البوابات كان بدأ يتبلور قبل حادثة السفارة بيومين، مع وقوع عملية طعن في مستوطنة “حلميش”، التي أسفرت عن مقتل ثلاثة مستوطنين، يوم الجمعة الماضي.

وبمعزل عن حسابات الربح والخسارة في إدارة الأزمة، فمن الواضح أن الاحتلال فوجئ بحجم الاستجابة الشعبية والعفوية لنداءات المرجعيات الدينية وثبات أهل القدس والفلسطينيين عموماً، ممن تمكنوا من الوصول للقدس، لا سيما فلسطينيي الداخل. وأثبت السلوك الفلسطيني والالتفاف العفوي حول القيادات والمرجعيات الدينية خطأ حسابات نتنياهو الذين ظن أن بمقدوره الآن، خلافاً لما حدث في هبّة النفق عام 1997، أن يفرض أمراً واقعاً، معتقداً أن الفلسطينيين في القدس سيرضخون للإجراءات الجديدة، بفعل ضعف الموقف الفلسطيني العام وغياب السلطة الفلسطينية والفصائل والأحزاب عن المدينة. لكن حساباته كانت خاطئة، إذ قوبل بصعود غير متوقع لدور مرجعيات القدس الإسلامية التي أدارت المعركة الفلسطينية بالاعتماد على رصيدها ووظيفتها الدينية بالأساس، فيما حاول الاحتلال كسب الوقت عبر إطلاق بالونات اختبار عن اتصالات ومساع مع دول عربية وأنظمة لا يقيم معها علاقات دبلوماسية مثل السعودية.

ولعل هذا الركون أو الرهان من قبل حكومة الاحتلال على إمكانية “إبرام صفقة ما” أو تفاهمات من خلال التجاهل المطلق والكلي للسلطة الفلسطينية أولاً وللفلسطينيين ككل، من خلال التلويح بالمكانة الخاصة للأردن بحسب اتفاق وادي عربة والتعويل، من دون أي سند، على “مكانة متخيلة” للسعودية في صفوف الفلسطينيين، كان من أكبر أخطاء الاحتلال لجهة ترسيخ التفاف شعبي فلسطيني حول المرجعيات الدينية، وفتح ولو نافذة صغيرة لعودة السلطة الفلسطينية لتكون عنواناً ذا صلة، لا سيما بعدما انتقلت حكومة الاحتلال، منذ الأربعاء، للهجوم على السلطة الفلسطينية واتهامها بأنها تعرقل أي تهدئة للأوضاع في القدس.

والصراع في المسجد الأقصى سيتواصل وسيحمل مفاجآت غير متوقعة، منها ما ستكون له تداعيات استراتيجية في مسألة تهويد القدس. فقد كشف خطيب الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، في مقابلة مع قناة “الجزيرة”، أمس الجمعة، أن الاحتلال في اليومين الأولين لإغلاق الأقصى، كسر أبواب مختلف مرافق المسجد، خصوصاً المتحف الإسلامي والمكتبات المختلفة، وأنه يخشى أن يكون قد استولى على موجودات أثرية تاريخية، وربما الأخطر من ذلك على وثائق الوقف في القدس. وتشكل هذه النقطة بحد ذاتها تحولاً خطيراً للغاية، لأن مثل هذه الوثائق تحمل سرداً وسجلاً كاملين بكل الأراضي الوقفية في القدس المحتلة منذ الدولة العثمانية، وسلسلة هذه الأوقاف سواء كانت عامة أم ذرية، قد يحاول الاحتلال استغلالها وتزويرها أو وضع يده على بعضها، بعد تحديد مواقع الأرض الوقفية ميدانياً في القدس، والبحث عن سبل لوضع اليد عليها ومصادرتها عبر الطعن في صحة ملكيتها الوقفية، أو محاولة تطبيق قانون أملاك الغائبين عليها.

وأعادت أحداث الأسبوعين الأخيرين تجديد الأمل، بعدما استرد أهل القدس والفلسطينيون في المدينة، حالة التعبئة الوطنية، على الرغم من غياب القيادات والمؤسسات الوطنية عن المدينة. وأهمية ما حدث تتمثل أيضاً في كسر حالة اللامبالاة أو حالة التسليم بسوء الأوضاع وبعدم وجود حل في الأفق، والتي كانت سبباً في بدء بروز مظاهر “أسرلة” خفيّة في القدس المحتلة. وتجلت تلك المظاهر في مسعى بلدية وحكومة الاحتلال إلى “أسرلة” جهاز التعليم الفلسطيني في المدينة، وتطوير وترويج مشاريع تشجع الشبان المقدسيين على الانتساب للجامعات الإسرائيلية في المرحلة الأولى، وصولاً إلى دفعهم نحو الانخراط بجهاز العمل الإسرائيلي، ولو من خلال مؤسسات أو خدمات يقدمها هذا الجهاز لسكان القدس المحتلة أنفسهم.

وفي تأكيد لهذا الأمل المتجدد، لا بد من الإشارة إلى الكيلومتر الأخير من فلسطين التاريخية، الذي بقي بأيدي الفلسطينيين، وهو الحرم القدسي الذي تبلغ مساحته 144 دونماً، إلا أنه بحسب الباحث الإسرائيلي، أليعازر يعري، يشكل عملياً الكيلومتر الأخير الذي لم تستطع إسرائيل حتى اليوم إخضاعه، وهو الكيلومتر الأخير الذي أثبت الفلسطينيون أنهم مستعدون لتقديم كل تضحية يملكونها حتى لا يسقط ولا يضيع منهم كما ضاعت فلسطين.