عربية بنكهة فلسطينية

سر الليلة التي جمعت بن زايد وبن سلمان في صحراء السعودية.. والانقلاب على قطر

708

رحلة صيد خليجية تقليدية غيَّرت تاريخ الشرق الأوسط ودفعت السعودية إلى الانقلاب على قطر، والاصطفاف في السياسة الإماراتية.

فقد كشفت صحيفة وول ستريت الأميركية أن وليي العهد في السعودية وأبوظبي بالكاد كان يعرفان بعضهما البعض إلى أن استمتعا بتسليةٍ خليجية معاً، تمثَّلت في رحلة تخييمٍ ليلي في الصحراء السعودية الواسعة، رافقهما فيها صقورٌ مُدرَّبة وحاشيةٌ صغيرة.

وكانت تلك الرحلة التي تمت قبل عامٍ ونصف، وهي تعادل جولات الغولف التي يقوم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نقطةَ تحوُّلٍ في الصداقة الناشئة بين الأمير محمد بن سلمان، نجل العاهل السعودي، والشيخ محمد بن زايد، ولي عهد الإمارات، وذلك بحسب أشخاص مُطَّلِعين على الرحلة.

وأصبحت سياسات السعودية الغنية بالنفط والمحافِظة للغاية تتوافق مع جارتها الصغيرة الأكثر تحرُّراً وتنوعاً اقتصادياً. ويجري النظر إلى العلاقة بين الأميرين، باعتبارها عاملاً رئيسياً في التحوُّل السعودي.

ويتَّخذ السعوديون خطواتٍ أكثر جرأة لكبح التشدد الديني في الداخل وتشديد موقفهم تجاه الحركات الإسلامية في الخارج، وهو الأمر الذي لطالما دعمته الإمارات طويلاً.

كما تتبنى السعودية أيضاً سياسةً أكثر عدوانية، آخرها تمثَّل في الجهود مع الإمارات من أجل فرض حصارٍ على قطر، الجارة الخليجية الصغيرة الأخرى. وقد دعمت قطر الجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين في مصر وحركة حماس في قطاع غزة، وحافظت على ارتباطاتٍ بمجموعاتٍ إسلامية، الأمر الذي تسبَّب في حنقٍ لدى الإمارات.

 

حلف المحمدين

 

وقال أندرياس كريغ، المستشار السابق لحكومة قطر وخبير شؤون الخليج في كلية كينغز كوليدج بلندن، عن أزمة الحصار لوول ستريت: “لقد خلق محمد بن سلمان ومحمد بن زايد هذا الوضع”.

وحتى وقتٍ قريب، كما يقول كريغ، كانت علاقة الأمير السعودي على ما يرام مع أمير قطر. وأضاف: “لكن لأنَّ قطر والإمارات مختلفتان عن بعضهما البعض بـ180 درجة، كان على السعودية أن تتَّخذ خيارها”.

وبحسب أشخاص عديدين قريبين من الديوان الملكي، انقسمت القيادة السعودية حول كيفية التعامل مع قطر. وقال المسؤولون السعوديون والإماراتيون إنَّ القرار بشأن قطر قد اتُّخِذ على نحوٍ مشترك. ولم يستجب الديوان الملكي السعودي لطلبٍ من أجل التعليق.

وللتوافق المتنامي بين الرياض وأبوظبي تداعياتٌ بالغة بالنسبة للمنطقة والولايات المتحدة. فقد اتَّخذت إدارة ترامب نهجاً متشدِّداً ضد إيران ورحَّبت بعلاقاتٍ أوثق بين السعودية والإمارات ضد خصمهم المشترك.

وفي الوقت نفسه، يُشكِّل الموقف السعودي الإماراتي الأكثر عدوانيةً تحدياتٍ بالنسبة لواشنطن. إذ تقود إدارة ترامب جهوداً لتسوية خلافهما مع قطر، التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، والتي تستخدمها الطائرات المشاركة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا.

ويقول أشخاص قريبون من القيادة الإماراتية إنَّ أبو ظبي ترى وجود دولة سعوديةٍ مستقرة ومُعتدلة أولويةً عليا للأمن القومي، إلى حدٍ كبير بسبب موقع المملكة كمهدٍ الإسلام.

وتحظى السعودية ومصر بتأثير على العالم الإسلامي يتجاوز حدود الدولتين.

وقال مسؤولٌ إماراتي كبير: “إنَّهما مركزا ثقلٍ للإسلام. وإذا لم تكونا معتدلتَين، فقد نفقد الإسلام لصالح الأيديولوجيات الإسلامية الأكثر تطرُّفاً. بالنسبة لنا، حتى نحمي الإسلام، يجب أن تنجح السعودية ومصر”.

 

رجل الإمارات في القصر الملكي

 

وعلى عكس ما يذهب إليه الكثير من المراقبين في أن صعود محمد بن سلمان قد يخلخل الموازين في السعودية، فإن القيادة الإماراتية ترى في ولي العهد الجديد “أفضل رهانٍ لمنع زعزعة الاستقرار” في المملكة العربية السعودية، وفقاً لما ذكره أشخاص مُقرَّبون من القيادة.

ويُذكَر أنَّ بن سلمان ارتقى سلَّم المناصب سريعاً في القيادة السعودية بعدما صار والده ملكاً في مطلع عام 2015، وتولَّى وزارتي الدفاع والاقتصاد. وفي شهر يونيو/حزيران الماضي، عُيِّنَ ولياً للعهد.

وساعد محمد بن زايد، البالغ من العمر 56 عاماً والحاكم الفعلي لبلاده، في تنظيم زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية في شهر مايو/أيار الماضي، ولعب هو وبعض كبار المسؤولين الإماراتيين دوراً رئيسياً في الضغط على الإدارة الأميركية الجديدة لمصلحة بن سلمان، حسبما ذكره أشخاصٌ مُطَّلعون على هذه العلاقة.

وقال أحد المُقرَّبين من القيادة الإماراتية: “يرى محمد بن زايد في محمد بن سلمان شخصاً معاصراً ويفهم أهمية المملكة العربية السعودية في العالم”.

ويتزعم محمد بن سلمان ما يراه برنامجاً طموحاً يهدف إلى إصلاح الاقتصاد السعودي، وإنهاء اعتماده على النفط، والعمل من أجل انفتاح المجتمع السعودي تدريجياً.

توجيهات إماراتية

 

وقال أشخاصٌ مُقرَّبون من قيادة كلا البلدين إنَّ المملكة العربية السعودية طلبت توجيهاتٍ من الإمارات العربية المتحدة حول قضايا تتعلق بكيفية تطوير صناعات عسكرية محلية لإصلاح صندوق الثروة السيادي الخاص بها.

ويذكر أنَّ الإمارات العربية المتحدة كانت قد كشفت عن خطةٍ مماثلة لتنويع اقتصادها منذ عقدٍ مضى، ولجأت المملكة العربية السعودية إلى بعض البنوك وشركات الاستشارات نفسها التي استعانت بها الإمارات للمساعدة في إعداد الخطة السعودية.

وتحولت مدينة دبي الإماراتية، التي تمتلك القليل من النفط، في العقود الأخيرة إلى مركز تجاري وسياحي إقليمي.

وتريد المملكة العربية السعودية حالياً تطوير قطاع السياحة السعودي. وكانت المملكة قد أعلنت يوم الثلاثاء الماضي، الأول من أغسطس/آب، خططاً لتطوير ساحلها المُطِل على البحر الأحمر وحوالي 50 جزيرة، وتحويلها إلى منتجع سياحي واسع يمكن للأجانب من معظم الجنسيات زيارته في نهاية المطاف دون تأشيرة دخول. وفي بلد لا يُصدر حتى الآن تأشيرات سياحية، سيُمثِّل المشروع انفتاحاً غير مسبوق على الزوار الأجانب.

وقال داني سيبرايت، وهو مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية ورئيس مجلس الأعمال الإماراتي – الأميركي، إنَّ العلاقات بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد تُمثِّل “ديناميكية جديدة تُعيد تشكيل المنطقة تشكيلاً حقيقياً، ليس في الوقت الحاضر فحسب، بل في المستقبل كذلك”.

ويخشى الكثير من المراقبين إن هذه العلاقة بين وليي العهد في الإمارات والسعودية قد تكون نتائجها وخيمة على المنطقة، وأن “التحديث” الذي يتحدثان عنه سيرافقه الكثير من التضييق والقمع على المعارضين.