عربية بنكهة فلسطينية

خريجو غزة: أحلام بيع القهوة والذرة

64

بهندامٍ متناسق يقف عيسى مطر، أمام أحد المقاهي المتنقلة، يترك خلفه شهادة جامعية بتخصص “الإدارة المالية” وبتقدير جيد أيضاً.

عندما بدأ الصيف قرر هو وصديقه ممن يشاركه الهم والحلم، العمل معاً في تصنيع الصندوق الحديدي ذي الأربع عجلات، والبدء في مشروعهم الصغير الذي انتشر سريعاً، وكلفهم ما يقارب سبعمئة دولار أمريكي فقط

لا تزيد مساحة “الكيوسك” عن متر مربع واحد. تتزاحم في داخله مكونات صديقة من كؤوس بلاستيكية ومكعبات السكر والشاي وحبوب البن، وقارورة غاز.

 شكله من الخارج يشبه الصندوق، يتكئ على أربع عجلات، وهنا يكمن سره، بأنه “مقهى متنقل“.

ما إن بدأ موسم الصيف حتى ركن العشريني عيسى صندوقه على رصيف منطقة الشيخ عجلين غرب المدينة البائسة، البعيدة عن منزله بمخيم الشاطئ ما يزيد عن أربعة كيلو مترات.

 يبدأ عمله بها منذ ساعات العصر حتى فجر اليوم الذي يليه، يقضي معظم وقته أمام لهيب النار وخلف رائحة القهوة المنبعثة من إبريقه، مستمعاً إلى ضجيج المارة وإلحاحهم العميق عندما يقولون “زبّطها يخو”.

وبعد ما يزيد عن اثنتي عشرة ساعة من العمل يغلق باب قهوته بالأقفال الحديدية. يتوجه إلى منزله مشيا على الأقدام في أغلب الأوقات، ولا يحبذ أن يطلب سيارة من مكتب سيارات الأجرة، فمن الممكن أن يذهب نصف قوت يومه من أجل ذلك الطلب.
“بائع قهوة”، لقب عمالي، يلتصق بكثرة من أبناء قطاع غزة. ينتشرون في كل مكان، على الأرصفة، في المخيمات، وخصوصا في المناطق المزدحمة بالمارة، مثل منطقة (الكورنيش) على شاطئ بحر مدينة غزة.

“المهم ما أحوج حالي لحد”، هذا ما يقوله، عيسى، في مقابلة مع “القدس العربي”، عن سبب عمله بهذه المهنة في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية والحصار المستمر، وأيضا تزايد نسب البطالة بين أوساط الشباب ولا سيما الخريجين منهم.

لا تختلف ايام محمود الصاوي (26 عاماً)، عن تلك التي يقضيها عيسى. تخرج الشاب العشريني من الجامعة باختصاصين مختلفين، “تصميم مواقع عبر الإنترنت”، و”فني مختبرات طبية”.

 يقضي معظم أيامه بشراء أغراضه من السوق، ومن ثم تعبئة قارورته البلاستيكية بالمياه، والبدء بالعمل المتواصل لنصف اليوم الثاني.

ينام الصاوي ست ساعات يوميا أو أقل من ذلك، سعياً لكسب أرباحٍ تجلب له شريكة الحياة، حتى يحصل على القليل من الاستقرار بعد ذلك، فهو يحلم بأن يعيش حياة طبيعية، تتوفر بها الأساسيات الحياتية داخل منزله المسقوف (الزينكو).

لا ينقطع عن العمل مع انتهاء موسم الصيف، وفي بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر وبالتزامن مع ألحان فيروز في أغنيتها “آخر أيام الصيف”، ينتقل محمود للعمل داخل المطاعم الشعبية كنادل، يقول: شغلتي الأساسية صارت غرسونا، نسيت تخصصاتي الجامعية.

ويسعى الصاوي للحصول على راحته النفسية هروبا من الواقع، من خلال الرسم على الجدران، فيرسم أحيانا على الجدران لمشاريع مؤسساتية تحت عناوين “حقوق الطفل، حقوق المرآة”، وما شابهها، متسائلاً عن حقه في العمل والاستقرار

وفي تمازج الألوان والمعاناة بصورة واحدة، يمكن وصف عربة محمد حسونة لبيع القهوة والذرة أنها من العربات ذوي الاحتياجات الخاصة، أربع عجلات اثنتان سليمتان والأخيرتان بهما عُطل، توقفتا بسبب كلفة تصليحهما التي لا يقدر على سدّها

حسونة (24عاماً) إلتحق بالجامعة ولم يكمل دراسته، نظرا لظروفه المالية الصعبة، يصرف على والديه وزوجته وابنه الرضيع، وبقوته اليومي الذي يقارب 10دولارات أمريكية، يفضّل أن يشتري أساسيات بيته المعيشية وحفاضات ولده وعلاج ليده المحروقة على أن يقوم بتصليح العربة.
عربته النقالة لا يمكن له أن يتركها على الرصيف ويرحل، كونها عربة غير مغلقة ولا تحتوي على باب. يضطر أن يجرها بصوت قدميها المزعجتين بعد منتصف الليل ببضع ساعات في شوارع المدينة، وصولاً إلى منطقة سكنه في حي الزيتون التي تبتعد قرابة الثلاثة كيلو مترات.

في الساعة العاشرة ليلاً يقف الشاب حسونة متحسرا على وضعه الذي لا يُطاق، ويخرج من جيبه قرابة 3 دولارات، التي تعتبر قيمة مبيعاته لهذا اليوم، معتبراً صعوبة الحياة لا ترضى إلا وأن تعانقه.

لا تنحصر مرارة عيش سكان قطاع غزة بقصص هؤلاء الخريجين، فرغم صعوبة مهنتهم إلا أنهم أصحاب مشاريع صغيرة، قد تكفل لهم أدنى مقومات الحياة، لكن الأصعب من ذلك هي نفس القصص ولكن بلا مشروع و بلا عمل.

حيث يعيش قرابة 150 ألف خريج جامعي بلا عمل، الأمر الذي يشير إلى زيادة العدد في وقتنا الحاضر، في حين تبلغ نسبة البطالة في غزة ما يقارب 41.5% وفق ما ذكره مركز الإحصاء الفلسطيني، في بيان له، في وقت ينتظر طلبة قطاع غزة في الجامعات الفلسطينية مصيرهم “المجهول” بعد تخرجهم، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها القطاع، جراء الظروف السياسية والحصار المفروض عليه.