ثقافة

العرب ساميون لكن مستثنون.. لماذا تقتصر “معاداة السامية” على اليهود؟ ومتى تصبح تهمة؟

“معاداة السامية”، “هذا معادٍ للسامية”.. أصبح هذا الاتهام شائع الاستخدام لكل من ينتقد إسرائيل، حتى العرب- الذين هم ساميون أصلاً لانحدارهم من نسل سام بن النبي نوح، رغم أنهم الغالبية العظمى للساميين.

السامية في تعريفها الاصطلاحي الدارج تعني باختصار معاداة اليهود، وليس بأي درجة انتقاد إسرائيل كما حدث مع متحدث وزارة الخارجية الباكستانية زاهد حافظ تشاودري، الذي اتهمته مذيعة قناة CNN الأمريكية خلال مداخلة له بأن تعليقاته عن ازدياد الضغط الشعبي على إسرائيل وأنها رغم سيطرتها على الإعلام وعلاقاتها القوية خسرت الحرب الإعلامية- هو بمثابة “معاداة للسامية”.

لماذا حصرت معاداة السامية على معاداة اليهود؟

معاداة السامية، أو اللاسامية (Anti-Semitism)؛ هي عداء أو كراهية أو عنصرية ضد اليهود كمجموعة عرقية ودينية وإثنية، أي إنه عداء لليهود واليهودية.

كان الصحفي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار (1818: 1904) أول من استخدم هذا المصطلح عام 1879 في كتابه “انتصار اليهودية على الألمانية- من منظور غير ديني”، لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا الوسطى في أواسط القرن التاسع عشر، وقد صدر الكتاب بعد المقاربات التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية (1870 – 1871) والتي أدت لدمار كثير من الممولين الألمان الذين ألقوا باللوم على اليهود.

المعنى الحرفي للسامية أو الجنس السامي تشمل العرب، بل إن الغالبية العظمى من أبناء سام بن نوح هم عرب. فمن منطلق ديني، يعتقد المفسرون أن الآية القرآنية “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” دليل على أنه لم يبق على الأرض بعد الطوفان إلا أبناء النبي نوح.

وارتبطت ذرية شبه جزيرة العرب (الحجاز واليمن وأجزاء من العراق) بعد الطوفان بالابن الأكبر للنبي نوح؛ سام، كما تعتبر اللغة العربية إحدى أبرز اللغات السامية، وقديماً كان يخلط بعض المؤرخين بين التسميات ويطلقون تسمية “اللغات العربية” على اللغات السامية و”الأقوام العربية” على الأقوام السامية، لكن رغم ذلك لا تقتصر السامية على العرب، بل تشمل يهود المنطقة العربية أيضاً. لكن ما يراد الإشارة إليه من مصطلح “معاداة السامية” لا يشمل العرب؛ الساميين جذراً.

أيضاً، يشمل الساميون عرقيات أخرى مثل الآراميون الذين سكنوا وسط وشمالي سوريا والجزء الشمالي الغربي من بلاد ما بين النهرين في القرنين الثاني عشر والثامن قبل الميلاد.

لكن مصطلح السامية في اللغات الأوروبية يقرن بين الساميين واليهود ويوحد بينهم، ويعتقد المفكر وعالم الاجتماع المصري عبدالوهاب المسيري في الجزء الثاني من كتابه “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” أن السبب في هذا القصر لتعريف الساميين بأنهم اليهود حصراً هو “جهل الباحثين الأوروبيين في القرن التاسع عشر عن الحضارات الشرقية، وعدم تکامل معرفتهم بالتشكيل الحضاري السامي أو بشيوع الانتماءات العرقية والإثنية واللغوية لأعضاء الجماعات اليهودية”.

النقطة الثانية تحديداً هي التي يستخدمها بعض الباحثين للتفرقة بين علاقة جزء من اليهود بالسامية، فاليهود من أبناء منطقة شبه جزيرة العرب هو وحدهم الساميون، مثلهم مثل مسلمي ومسيحيي شبه الجزيرة العربية، ما يعني أن اليهود من أصول عرقية غير عربية ليسوا ساميين، إذ ترتبط السامية بعرق وليس ديناً، كما شرح المسيري في كتابه.

لكن مع صعود المسيحية في القرون الوسطى في أوروبا، ارتفع العداء لليهود باعتبارهم مجموعة دينية منفصلة لا تؤمن بالمسيح وترفض التحول إلى المسيحية، وحتى مع تقلص المسيحية في القرن الثامن عشر مع عصر التنوير استمر العداء لليهود، لكن كمجموعة عرقية وقومية أقل منزلة. أقيم نظام الفصل العنصري في البلدان الكاثوليكية الرومانية، وازدادت الحركات السياسية والدينية المعادية لليهود تحت شعارات “معاداة السامية”، كما تعرض اليهود في أوروبا لمذابح على رأسها الهولوكوست، ما يفسر الربط بين مفهوم “معاداة السامية” كأنه دعوة لـ”إقامة المذابح”، كما شرح موقع ADL وهي إحدى المنظمات الرافضة لـ”معاداة السامية” باعتبارها معاداة لليهودية.

ومن هنا حُصر مصطلح “معاداة السامية” في “كراهية اليهود”، إذ عرفه المركز الأوروبي لرصد العنصرية وكراهية الأجانب بأنه “المظاهر الخطابية والجسدية الموجهة نحو اليهود أو غير اليهود و/أو ممتلكاتهم، وتجاه مؤسسات المجتمع اليهودي والمرافق الدينية”.

متى تصبح “معاداة السامية” تهمة؟

فند مكتب الشؤون العامة لوزارة الخارجية الأمريكية عدداً من الأمثلة على معاداة “السامية” حسب مفهوم العصر الحديث، وشملت:

  • الدعوة إلى قتل أو إيذاء اليهود أو المساعدة فيه أو تبريره (غالباً باسم أيديولوجية راديكالية أو وجهة نظر متطرفة للدين).
  • إطلاق ادعاءات كاذبة أو مجردة من الإنسانية أو شيطنة أو نمطية عن اليهود أو الحديث عن قوة اليهود كجماعة أو مؤامرة يهودية عالمية أو سيطرة اليهود على وسائل الإعلام أو الاقتصاد أو الحكومة أو المؤسسات المجتمعية الأخرى.
  • اتهام اليهود كشعب بالمسؤولية عن مخالفات حقيقية أو متخيلة ارتكبها شخص أو جماعة يهودية واحدة؛ دولة إسرائيل، أو حتى عن أفعال ارتكبها غير اليهود.
  • اتهام اليهود كشعب أو إسرائيل كدولة باختراع الهولوكوست أو المبالغة فيه.
  • اتهام المواطنين اليهود بأنهم أكثر ولاءً لإسرائيل، أو للأولويات المزعومة لليهود في جميع أنحاء العالم، من ولائهم لمصالح دولهم.

هذه الأمثلة هي الإطار العام لما تعتبره بعض الدول معاداة للسامية، وهناك أمثلة أخرى تتعلق بإسرائيل تحديداً، وتقع تحت 3 خطوط عريضة؛ وهي “شيطنة إسرائيل”، و”ازدواجية المعايير لإسرائيل” أو “نزع الشرعية عن إسرائيل”.

شيطنة إسرائيل

  • استخدام الرموز والصور المرتبطة بمعاداة السامية الكلاسيكية ضد إسرائيل أو الإسرائيليين.
  • رسم مقارنات بين السياسة الإسرائيلية المعاصرة وسياسة النازيين.
  • إلقاء اللوم على إسرائيل في جميع التوترات السياسية والدينية.

ازدواجية المعايير لإسرائيل

  • تطبيق معايير مزدوجة باعتبارها سلوكاً غير متوقع أو مطلوب من أي دولة ديمقراطية أخرى.
  • المنظمات الداعمة للسلام أو تحقيقات حقوق الإنسان التي تركز على إسرائيل فقط.

نزع الشرعية عن إسرائيل

  • حرمان الشعب اليهودي من حقه في تقرير المصير، وحرمان إسرائيل من حقها في الوجود.

لكن بيان الحقائق للمبعوث الأمريكي الخاص لرصد ومكافحة “معاداة السامية” انتهى بالتأكيد أن “الانتقاد الموجه لإسرائيل على غرار ذلك الموجه ضد أي دولة أخرى لا يمكن اعتباره معادياً للسامية”.

وقد أشار موقع التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست Holocaust Remembrance  (IHRA) الذي يضم 34 دولة أعضاء إلى أن هذه الأطر العامة لما يمكن توصيفه بـ”معاداة السامية” معتمدة من قبل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي (أصدر في 2018 إعلاناً بشأن مكافحة معاداة السامية لحماية المجتمعات والمؤسسات اليهودية في أوروبا) وكذلك المفوضية الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب.