الذكرى الثالثة لرحيل شاعر فلسطين سميح القاسم

"نصف البرتقالة"، هكذا كان يطلق على الراحل بينما نصف البرتقالة الآخر هو صديق عمره الشاعر الراحل محمود درويش

114٬412

في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة أعوام غيّب الموت الشاعر الفلسطيني سميح القاسم عن عمر ناهز 75 عاماً بعد معاناته من سرطان الكبد لثلاث سنوات.

سميح القاسم، قامة الشعر العربي المنتصبة، وفلسطين القصيدة التي هزّت مسامع العالم، رحل عنّا في مثل هذا اليوم، 19 أغسطس عام 2014، ليترك بموته ثلمة في ديوان شعر العرب لمّا تجد بعد من يسدها، لا تزال الأجيال تحتذي بصدى كبريائه الشعري وهو يردد: منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي.. في كفي قصفة زيتونٍ.. وعلى كتفي نعشي..

ما زالت المقاومة الصاعدة تعيش على صدى صوته الصداح حين كانت قصائده تذاع بصوته على القنوات العربية والفلسطينية أثناء العدوان على غزة، ومنها قصيدته: “تقدّموا.. تقدّموا براجمات حقدكم.. وناقلات جندكم.. فكل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جهنم”.

قال فأسمع الدنيا بكل لغات أهلها

كان الطفل سميح، المولود عام 1939، في طريق العودة من الأردن إلى فلسطين في القطار بصحبة والده الذي يعمل ضابطاً في قوّة حدود شرقي الأردن، وكانت العائلة عائدة بغمرة الحرب العالمية الثانية، والكل في خوف ووجل من أزيز طائرات الألمان، بكى الطفل سميح، فذُعرَ الركاب ظناً منهم أن الطائرات الألمانية يمكن أن تهتدي لمكانهم من صوته، وبلغ بهم الذعر إلى درجة التفكير في قتله، فأشهر الوالد سلاحه رادعاً، فارتدعوا.

وبعد أن سمع شاعرنا الحكاية تركت فيه أثراً عميقاً، فقال وأسمع الزمان: “حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة، سأريهم؛ سأتكلّم متى أشاء وفي أي وقت، وبأعلى صوت، لن يقوى أحد على إسكاتي”.

فكان شعره عنواناً للكفاح والوجع والنضال الفلسطيني، وحين بلغ الثلاثين كان قد نشر ست مجموعات شعرية، حازت شهرة واسعة في العالم العربي، ثم تُرجم عدد كبير من قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية.

وما فارق الدنيا حتى أسمعها بكل لغات أهلها، فصدر له أكثر من 60 كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة، وصدرت أعماله المنجزة في سبعة مجلدات عن دور نشر عدّة في القدس وبيروت والقاهرة.

ألقاب نالها

ستكون الجوائز والنياشين والأوسمة الرسمية، في ذيل هذه الفقرة، فهي لا تقيّم الأديب الأريب والكاتب المفكّر والمثقف النحرير، إنما تقيّم قيمته فيما تواضعت عليه أقلام النقاد.

وقد صدرت في الوطن العربي وفي العالم عدّة كُتب ودراسات نقدية تناولت أعمال الشاعر وسيرته الأدبية وإنجازاته وإضافاته الخاصة والمتميّزة شكلاً ومضموناً، ونال من أقلام الكتاب والنقاد والباحثين الألقاب التالية:

(شاعر العرب الأكبر) الشاعر والناقد الدكتور المتوكل طه.

(شاعر القومية العربية).. (الشاعر العملاق) الناقد اللبناني محمد دكروب.

(الشاعر المبدع، المتجدّد دائماً والمتطوّر أبداً) الكاتب والناقد الدكتور نبيه القاسم.

(شاعر الغضب الثوري) الناقد المصري رجاء النقاش.

(قيثارة فلسطين) و(متنبي فلسطين) الشاعرة والباحثة الدكتورة رقية زيدان.

(وجه له فرادة النبوّة) الشاعر والناقد اللبناني حبيب صادق.

(الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله ملامح ما بعد الحداثة في الشعر العربي) الشاعرة والباحثة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي.

(شاعر العروبة بلا منازع وبلا نقاش وبلا جدل) الكاتب محمد علي طه.

(الشاعر القديس) الكاتب لطفي بولعابة.

(سيّد الأبجدية) الكاتب عبد المجيد دقنيش.

(هوميروس من الصحراء) الكاتب سهيل كيوان.

(الرجل المتفوّق في قوة مخيلته والتي يصعب أن نجد مثلها لدى شعراء آخرين) الكاتب الطيّب شلبي.

(مغني الربابة وشاعر الشمس، البطل الدائم في عالمه الشعري) الشاعرة والكاتبة آمال موسى.

(الشاعر النبوئي) الدكتور إميل توما.

(شاعر الملاحم) و(شاعر المواقف الدرامية) و(شاعر الصراع) الدكتور عبد الرحمن ياغي.

(مارد سُجنَ في قمقم) الدكتور ميشال سليمان.

(شاعر البناء الأوركسترالي للقصيدة) شوقي خميس.

حصل سميح القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. ونال جائزة “غار الشعر” من إسبانيا، وجائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي، وحصل على جائزة البابطين، وحصل مرّتين على “وسام القدس للثقافة” من الرئيس ياسر عرفات، وحصل على جائزة نجيب محفوظ من مصر، وجائزة “السلام” من واحة السلام، وجائزة “الشعر” الفلسطينية.

سجل حافل بالإنجاز

ارتبط اسمه بشعر الثورة والمقاومة الفلسطينية، وهو مؤسس صحيفة كل العرب، ورئيس تحريرها الفخري، أسهم في تحرير جريدتي “الغد” و”الاتحاد”، ثم ترأس تحرير جريدة “هذا العالم” عام 1966. ثم عاد للعمل محرراً أدبياً في “الاتحاد”، وأمين عام تحرير “الجديد”، ثمَّ رئيس تحريرها. وأسس منشورات “عربسك” في حيفا مع الكاتب عصام خوري سنة 1973، وأدار فيما بعد “المؤسسة الشعبية للفنون” في حيفا.

ترأس اتحاد الكتاب العرب، والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين، وترأس تحرير الفصلية الثقافية “إضاءات”، التي أصدرها بالتعاون مع الكاتب الدكتور نبيه القاسم.

ثلمة رحيل القاسم

لا يختلف اثنان في الساحة العربية على أن رحيل سميح القاسم يعد ثلمة في هيكل الثقافة العربية وينبوع مددها الإبداعي، وقد عجز الشاعر عبد الرحمن الأبنودي عن وصف الحدث، فقال في تصريح لصحف مصرية: “لم تعد الكلمات تصلح للرثاء.. كلمات الرثاء القليلة ظلم للكيانات الكبيرة أمثال سميح القاسم ومحمود درويش.. حقاً فجعني نبأ رحيل القاسم”.

وتابع: “أعتقد أن سميحاً رحل متألماً متمزقاً بسبب ما يحدث في غزة، ولكن تظل أشعاره هو ودرويش قنديلاً يضيء الأمة العربية وليس فلسطين فقط”.