شاتيلا يا عيناً بكت دماً وألماً وحزناً

3٬315

هيثم أبو الغزلان – بكيت قانا، وبكيت صبرا، الفرق بين هذا البكاء وذاك الألم أنَّ الأولى رأيناها مباشرة بعد قصفها بدقائق، فشاهدنا الجثث والأشلاء والأسود القاتم. أمّا مجزرة صبرا وشاتيلا، لم أكن أتجاوز الثامنة من العمر، لكنّني سمعت أمي تقول: «اليهود وعملاؤهم ارتكبوا مجزرة كبيرة في صبرا وشاتيلا».. لم أدرك آنذاك معنى المجزرة، ولم أعرف طعم الحزن والألم، فكان كلُّ حلم الطفولة الاختباء؛ إذا كان في صبرا وشاتيلا مجزرة ويهود وعملاء، فهنا في مخيم عين الحلوة أيضاً، يوجد يهود وعملاء وقد يرتكبون مجزرة.

أذكر حتى الآن الحَيرة التي تملّكت والدتي، ولهفتها بالسؤال والاستفسار عن الأقارب، ماذا حلّ بهم؟ هل هربوا أم قضوا أم ماذا؟ كنت أرى وأراقب حركاتها وسكناتها، لكني لم أدرك معناها إلا بعد حين.

كان الأطفال في المجزرة يُذبحون كالخراف، كما الآن يُذبحون في أكثر من مكان.. والنساء لم تعدن قادرات على ندب حظهن، لأنّهن قُطّعت أيديهن وأرجلهن وألسنتهن، وشُوّه الوجه الجميل. وأصبح الرجال عاجزين عن واجب الحماية، وقتلهم صوت الأنين.

الأشلاء الممزّقة في كل شارع، وكل زاروب، وكل منزل، ولطّخت الدماء الجدران الجميلة المُلوّنة بلون العلم الفلسطيني المطرّز بالدّم القاني الذي رشقه الطفل بوجه الغاصب ليدُلّ على الجريمة، إن حاولوا طمسها، أو نسيان معالمها. قال طفل هناك: «لا تبكي أمّاه، إن قتلونا ذبحاً أو بالرصاص، لا يهُمُّ، فالشهادة هي نفسها، وأًلًمُنا حصدناه منذ زمن، لكن أمّاه لماذا يريدون قتلنا وهم يزعمون المحافظة على حقوق الطّفل والإنسان؟ لماذا يريدون قتل طفل صغير لم يؤذ أحدًا منهم؟!!…». لم يكن هناك متسع من الوقت لتجيب الأم على أسئلة طفلها البريئة. ببساطة، كان السفّاحون قد أنهوا مهمّتهم وقتلوهما معاً.

يُخيّم صمْت رهيب على الأجواء، وتتّسم الحركات بالحذر، ويُخفي الناس أنفاسهم، هدأت الضّجّة وكتبوا في ظل هذا الصمت قصيدة سوداء محشوّة بالدّم، ومشتعلة بالبارود.

يرسمون حدود الطرقات لوحة سوداء بالدم والأشلاء، ويحفرون في الوجدان الأنواء، يأخذونها فتتمرّد على السماء. تُحفر ذاكرتنا كل يوم بآلاف آلاف الشهداء يعافون كل شيء ويتمردون على الكلمات الخرساء. يسري رعب في الأوصال، يُنسيهم حتى الأسماء، يركضون في كل اتجاه، ويحركون الأصدقاء ماذا يقولون؟ ماذا يفعلون؟ أصابهم الإعياء، والراحة تعني الموت والظمأ لا يرويه الماء فكل شيء أصبح في الطرقات؛ أطفال، متاع، نساء يفترشون الأرض نياماً، لا، نظُنُّهم نياماً لكنّهم شهداء.

لم نكن نعلم أن العالم حضاريُّ إلى هذا الحد يترك الدم يجري كالماء ويعطي شهادة حسن سلوك لـ “داحس” و”الغبراء”، ويعيدنا إلى أعماق الجهل، ليُسْمعنا سيمفونية الموت السوداء.

لم يعد مشهد الموت يُثير الخوف فينا. نسينا الكلام والآمال والحضارة وعُدنا إلى الصحراء، نسير فوق الجثث والأنقاض؛ يختلفون في الملابس والألوان، لكنهم يضحكون علينا، وينظرون إلينا من سماء زرقاء، لأننا الأموات.. لم يناموا، لم يفرحوا، لم يتعبوا ولم يصبهم الإعياء.. بدأت الدائرة تضيق الآن، والحنان أصبح يُشترى ويباع… اسألوهم عن الهواء من منعه؟ من أخذه؟ من قتل الأطفال الأبرياء؟ والحوامل من النساء؟ اسألوهم من صادر البكاء… سألت أمّ أين طفلي؟ وسْط ركام القهر أين أجده؟ ملامحه اختلطت عليَّ، لم أعد أميّزه، بل أشعر به أتنفّسه، هذا رامز، هذا سامر، ربّاه لا أعرف ما أقول؟! حطّموا قلبي، دمّروا عقلي…

غطّى الدم الذي سال شوارعنا، والحقول والأبنية، زرع الخوف، وأنبت الرعب بخنجر، وسكين، ورصاصة، وجعل مشاعرنا طوفان غضب، وبحرنا لا ترسو فوق سفنه النوارس.