عربية بنكهة فلسطينية

لا تحالف مع الوهابية.. بن سلمان يتخلى عن أسلوب حُكمٍ دام عقوداً تحالفت خلاله الأسرة الحاكمة مع رجال الدين المتشددين

330

تجمَّدت زينة فرحان من الخوف وهي تضع حجابها حول كتفيها بدلاً من تغطية شعرها، عندما صادفت الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهي تسير خارج أحد مراكز التسوق في الرياض.

ولكن المفاجأة الرجل القابع في مقعد السائق خفض نافذة السيارة، وسألها: “من فضلك يا سيدتي، هل يمكنك تغطية شعرك فقط في أثناء أوقات الصلاة؟”. وقالت زينة: “قلت: حسناً، وقال: شكراً لكِ، ثم قاد سيارته بعيداً. كان هذا هو كل ما حدث، وكان أمراً مذهلاً”.

يقول تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية عن مغزى هذا التغيير: طوال حياتها، كان من شأن أي لقاء مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة السعودية أن يؤدي إلى نتيجةٍ أقسى بالنسبة لزينة.

فكانت المرأة التي تتجرَّأ على كشف شعرها في الأماكن العامة في أي وقت، ناهيك عن وقت الصلاة، مُعرَّضةً لدفع غرامة، وربما للذهاب إلى السجن. وقالت زينة، التي تبلغ من العمر 32 عاماً، إنَّهن كنَّ مُعرَّضات لـ:”الشتائم، والسجون، والجَلد، والعار”. وأضافت: “رؤيتهم بهذا الشكل توضح إلى أي مدى تغيرت الأمور”.

نذر موت

وجُرِّدت الشرطة الدينية، التي كانت تُنَغِّص حياةَ العديد من النساء السعوديات من أدوارها تجريداً مطرداً خلال العام الماضي 2016، وفقدت صلاحيات الاعتقال وتحديد ما هو صائب أو خطأ.

وفي الأسبوع الماضي، وُقِّعَ مرسومٌ لضمِّها إلى وزارة الداخلية، القرار الذي يعد نُذر موت للمنظمة التي كانت السبب في أجيالٍ من التقشف الاجتماعي والديني، في مملكةٍ ظلت لفترةٍ طويلة تقاوم التغيير.

أُزيح معظم ما كان يُميِّز المملكة الجامدة في الأشهر الستة السابقة، وحلَّت بدلاً منه سلسلةٌ مُطرَدة من الإصلاحات التي تمس جميع جوانب المجتمع السعودي. وبالفعل هزَّ التحول الذي بدأته القيادة السعودية الجديدة للملك سلمان وابنه وولي عهده، الأمير محمد بن سلمان، معظم أركان البلاد؛ حتى إنه طال يوم السبت الماضي النخبة التي كانت سابقاً فائقة النفوذ، عندما أمر محمد بن سلمان بالقبض على 30 من أفراد العائلة المالكة بتهمة الكسب غير المشروع.

وقال مسؤولٌ سعودي رفيع المستوى: “إذا وُصِفَ ما حدث بأنَّه صدمة للنظام لن يكون وصفاً كافياً”. وأضاف: “كانت هذه رسالةً إلى الناس هنا وإلى العالم أجمع بأنَّنا منفتحون على الأعمال التجارية، ولكن بشروطكم الخاصة، لا شروطنا. يحتاج المستثمرون إلى أن يكونوا واثقفين من أنَّهم يستطيعون القدوم إلى هنا والقيام بأعمال تجارية بشفافية”.

انحراف

وبينما احتُجِزَ أفراد العائلة المالكة وعشرات المواطنين البارزين الآخرين في أحد الفنادق الأفخم في الرياض، وهو فندق ريتز كارلتون، كان المواطنون السعوديون يحاولون فهم ما حدث، والذي يُمثِّل انحرافاً تاماً عن الطريقة التي أدار بها الحكام أمورهم على مدار تاريخ المملكة الحديث.

وقال رجل أعمال سعودي كبير عن محمد بن سلمان: “إنَّه يُمزِّق نظاماً راكداً كان يضع أفراد العائلة المالكة فوق كل شيء”. وأضاف: “إنَّه يُحطِّم الوفاق الذي كان قائماً بين النخبة والدولة. كانا كياناً واحداً. وهذا، على الأقل جزئياً، يخلق من الرعيَّة مواطنين حقيقيين”.

في بلد حُكم لفترةٍ طويلةٍ بمنحِ السلطة والتوافق، خاصةً بين قبائل مختلف فروع العاهل المؤسس الملك عبد العزيز، يضع القبض على الأمراء وحده أساساتِ نظامٍ جديدٍ لإدارة البلاد. أضف إلى ذلك الإصلاحات الثقافية التي ستسمح للمرأة في العام المقبل بقيادة السيارات ودخول الملاعب الرياضية، فيما ستسمح بإقامة الحفلات الموسيقية، وستُرحِّب بزيارة السياح للمواقع الأثرية التي أنشئت قبل العصر الإسلامي.

وقال أحد الوزراء الكبار، الذي رفض مثل جميع المسؤولين الآخرين، إرفاق اسمه بتصريحاته: “الرسالة هنا تكمن في أنَّ كل ما اتسمت به السعودية لم يعد كسابق عهده”. وقال: “إنَّها ثورة. كل شيء حساس جداً، ويجب أن نتحلى بالصبر إلى أن يستقر كل شيء”.

كسر التحالف مع الوهابية

ومن بين الإصلاحات الثقافية، تعهَّد الأمير محمد بن سلمان الشهر الماضي بـ”إعادة السعودية إلى الإسلام المعتدل”، التصريح الذي يُعد في حقيقة الأمر التزاماً بكسر التحالف المؤسِّس بين رجال الدين الذين يتمسَّكون بالتعاليم الوهابية الصارمة التي كانت قائمة في القرن السابع عشر، وحكام المملكة الحديثة.

وقال ولي العهد محمد بن سلمان، إنَّ التفسير المتشدد للإسلام تجذَّر في السعودية بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وأضاف: “لم نكن نعرف كيف نتعامل معها، وانتشرت المشكلة في جميع أنحاء العالم. حان الوقت للتخلص منها”.

لم يحاول أيٌّ من القادة السعوديين الاقتراب من العلاقة بين رجال الدين والحكام.

وقال د. إتش هيليير، وهو زميلٌ رفيع المستوى غير مقيم في مجلس الأطلسي، إنَّ التغيير الحاد في لغة الخطاب لا يعني بالضرورة أنَّ القيادة السعودية الجديدة كانت تتنصل من الوهابية.

وتابع: “تغيير المستويات الفلسفية، حيث لم تعد المؤسسة الدينية السعودية وهابية؟ سيكون هذا تحولاً هائلاً، ولست متأكداً من أنَّ محمد بن سلمان مهتم لهذه الدرجة باتخاذ خطوة كهذه”.

وقال: “إذا كنَّا نتوقع أن تبدأ السعودية باتِّباع نهج ديني غير مُحافِظ، فإنَّنا نحلم. لكن السؤال هنا هو: كيف يمكن لهذا المجتمع أن يعود حقاً إلى نظرة دينية أكثر معيارية، خاصةً على مدى فترة قصيرة من الزمن؟

ثورة إيران

يبدو أنَّ النهج المتبع حتى الآن يتمثل في الحدِّ من الدوافع الأكثر تطرفاً، بدلاً من فهم أسبابها. وتُعد ثورة إيران 1979 عنصراً شديدَ الأهمية في فهم كيف قيَّدت المملكة أو خفَّفت قدر المساحة التي تتمتع بها المؤسسة الدينية، وليس من ناحية الأساس الديني لتلك المؤسسة”.

اختلف كثيرون من نخبة رجال الأعمال السعوديين، الذين كانوا على اتصالٍ دائم بالأمير محمد بن سلمان، فيما بينهم، وقال أحد كبار الشخصيات: “إنَّه يعتبر نفسه زعيماً للعالم السُّني. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن يفعل بها ذلك هي إذا اعترف علناً ​​وبقوة بأنَّنا ضللنا الطريق كمجتمع”.

وقال قائد أعمال مخضرم آخر: “إنَّ الطريقة الوحيدة التي كان يمكن أن يحدث بها ذلك -أي تغيير بهذا الحجم- هي لو كان لدينا زعيم شاب صبور. كان الزعماء السعوديون من قبله يبلغون من العمر 70 أو 80 سنة عندما تسلموا العرش، ولم تكن لديهم القدرة على محاولة القيام بأي شيء من هذا القبيل”.

وأضاف: “نعم، يمكنك القول إنَّ الناس يخشون الاعتراض بشدة، لأنَّ السلطة مركزية جداً الآن، لكنَّه يفعل ما عليه القيام به. فهو يعزز سلطته كما يتوجب على أي شخص في مكانه، وسوف يكون هناك دائماً ضحايا”.

اندفاع متهور 

ويقول منتقدو الأمير محمد، إنَّ الاندفاع المتهور نحو إحداث ثورة مدفوعٌ برغبة في السلطة لم يسبق لها مثيل، والتي يمكن أن يستفيد منها الأمير البالغ من العمر 32 عاماً على مدى عقود عديدة، يتوقع أن يتولى فيها السلطة.

وكان من بين المعتقلين منافسوه من العائلة المالكة، الذين يعارضون كثيراً من جوانب الإصلاحات.

وفي نفس الفندق الذي يُحتَجَز فيه الأمراء، يضع مستشارون يتقاضون أجوراً عالية من مجموعة بوسطن الاستشارية، وشركتي ماكينزي وديلويت، مسودات خططٍ لإصلاح الاقتصاد الذي كان محاطاً بشبكات المحسوبية، والتي غالباً ما كانت تطلب من شركاتٍ أجنبية أن تشترك مع أحد أفراد العائلة المالكة لبدء أي مشروع.

وقد صعَّبَ القطاع العام المتصلّب للمملكة هذا المسار على المستثمرين والسكان المحليين، على حد سواء، وتعتبر الإصلاحات الاقتصادية ضرورية لكسب دعم قاعدة متشككة ومحافظة، يعيش كثيرٌ من أفرادها حالةً من عدمِ الاستقرار بسبب هذا التغيير.

وقال الوزير الكبير: “يعد هذا مزيجاً بين إدارة التغيير وتكتيكات استخدام الصدمات. سوف يعتاد الناس على ذلك، فليس لديهم خيار”.