إما أن تكرهها وتشمئز من رائحتها أو تعشق طعمها اللذيذ.. لهذه الفاكهة قصة غريبة مع الخفافيش ستثير إعجابك

574

يعتبر بعض الناس فاكهة الدوريان من أفضل الفواكه بالنسبة لهم، بينما يعتبرها آخرون من أبشع الفواكه على الإطلاق.

ليس هناك رأي وسط، ولا تردد بشأنها، فإما أن تكون هي ملكة الفواكه أو أسوأ شيء تذوقته على الإطلاق. ونظراً إلى رائحة الدوريان القوية التي تُعَد شهية وجميلة بالنسبة لمحبيها، وشبيهةً برائحة مياه مجاري الصرف بالنسبة لمَن لا تعجبهم، حُظِرَت في المطارات وقطارات مترو الأنفاق والفنادق (مع أنَّ العقوبات المفروضة على تناولها في هذه الأماكن تبدو خفيفة، بل وتكاد تكون معدومة تقريباً).

لكنَّ مجلة Ecology and Evolution البريطانية نشرت مؤخراً دراسةً وجدت أنَّ فاكهة الدوريان ربما لم تكن لتصبح موجودةً على الإطلاق لولا الخفافيش، وبالأحرى الخفافيش الضخمة المُهدَّدة بالانقراض. إذ اكتشف العلماء أنَّ الثعالب الطائرة -وهي خفافيش منتمية إلى جنس الخفاشيات الثمرية والأسيرودون- من المحتمل أن تكون هي المُلقِّحات الضرورية لفاكهة الدوريان التي تستقطبها، وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

 

الخفافيش ليست السبب

 

وقالت شيما عبدالعزيز، الباحثة الرئيسية في المشروع الذي أجرته في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بفرنسا، في إطار رسالة الدكتوراه التي حصلت عليها: “كُنَّا نعرف بالفعل أنَّ الثعالب الطائرة تتغذى على زهور الدوريان، لكن هناك اعتقاد غير مستند إلى أي أساس علمي حتى بين بعض العلماء بأنَّ الثعالب الطائرة تُدمِّر هذه الزهور ليس إلا. ولا يسهم هذا الاعتقاد في تفسير إزهار زهرة الدوريان لمدة ليلةٍ واحدة، ثُمَّ تسقط من الشجرة طبيعياً بغض النظر عمَّا إذا كانت قد لُقِّحت أم لا. وحين يرى الناس كل الزهور على الأرض في الصباح، يعتقدون أنَّ الخفافيش هي السبب”.

لكنِّها ليست كذلك، إذ تمكَّنت شيما وزملاؤها عن طريق تثبيت كاميرات في أعلى بعض أشجار الدوريان بجزيرة تيومان، الواقعة قبالة ساحل شبه جزيرة ماليزيا من دحض خُرافة أنَّ الثعالب الطائرة تُدمِّر الزهور.

بل شاهد الباحثون أنَّ هذه الثعالب الطائرة تتعلق من أسفل لأعلى بالزهور، وتضع أنفها وفمها الطويلين فيها، ثم تمتص الرحيق وتترك الزهرة بلا أذى.

 

التغذي على زهور الدوريان

 

وقالت شيما، التي تُعَد أيضاً رئيسة ومؤسِّسة منظمة ريمبا المحلية غير الحكومية التي تُكرِّس جهودها لتوعية الحكومة والشعب بأهمية التنوع الحيوي: “تُظهِر لقطات الفيديو بلا شك مدى رقِّة الثعالب الطائرة في التغذِّي على الزهور دون تدميرها”.

قد لا تكون الثعالب الطائرة هي المُلقِّح الوحيد لفاكهة الدوريان. إذ قالت شيما إنَّ هناك خفافيش أخرى -من بينها خفافيش أصغر حجماً- شُوهدت وهي تُلقِّح الدوريان.

فمن المحتمل أيضاً أن تتمكن حيوانات الزباد واللوريسيات البطيئة من تلقيح الدوريان في بعض مناطق قارة آسيا. بيد أنَّ ذلك لا يعني أنَّ تأثير جميع الحيوانات المُلقِّحة متساوٍ. إذ أشارت شيما إلى بحثٍ أُجري مؤخراً في تايلاند كشف أنَّ بعض الخفافيش تُلقِّح أفضل من غيرها على حسب نوع النبات.

وأضافت: “يشير ذلك حقاً إلى أنَّ فقدان المُلقِّح الرئيسي قد يؤثر على إنتاج الثمار حتى في حال وجود مُلقِّح آخر بديل ما زال متاحاً لتأدية هذه المهمة. أتمنى إجراء المزيد من البحث حول ذلك إذا ما استطعتُ الحصول على تمويلٍ لمواصلة بحثي في بيئة تلقيح الدوريان”.

لكنَّ جماعات الثعالب الطائرة تتعرض لاعتداءاتٍ مثل الكثير من الأنواع الحيوانية الأخرى في جنوب شرق آسيا. وقالت شيما إنَّ صيد الخفافيش وقتلها باعتبارها آفات هما أكبر تهديدين على الثعالب الطائرة في المنطقة. إذ تُقتَل الثعالب الطائرة في بعض الأماكن لتؤكل، بينما تُقتَل في أماكن أخرى لأغراضٍ طبية تقليدية.

وأضافت شيما: “لقد سمعتُ حتى أنَّ بعض الأشخاص المهووسين بإطلاق النار يستهدفون الثعالب الطائرة من أجل ممارسة الرماية لمجرَّد التسلية. ينبُع كل ذلك من حقيقة أنَّ الناس لا يقدرون قيمة الثعالب الطائرة وأهميتها بأي حال من الأحوال، ولا ينظرون إليها نظرةً إيجابية إلا حين تموت وتصبح قابلةً للاستهلاك”.

 

آفة قتل الثعالب الطائرة

 

وبطبيعة الحال، فإنَّ إزالة الغابات أيضاً تُهدِّد جماعات الخفافيش. جديرٌ بالذكر أنَّ منطقة جنوب شرق آسيا تشهد بعضاً من أعلى معدلات إزالة الغابات في العالم، بعدما تخطَّت إندونيسيا البرازيل مؤخراً، وأصبحت أكثر الدول تدميراً للغابات.

وكثيراً ما يقتل المزارعون جماعاتٍ من الثعالب الطائرة، باعتبارها آفات تهدد نباتاتهم، لكنَّ شيما قالت إنَّ ذلك قد يُقوِّض صناعة الدوريان.

وأضافت: “إذا استمر المزارعون في قتل الخفافيش، سيُقلِّل ذلك بالفعل من إنتاج فواكه الدوريان. لذلك، ستكون هناك تبعات اقتصادية حقيقية… ينبغي أن يُصبح الحفاظ على الخفافيش أولوية حقيقية من أجل صناعة الدوريان التجارية”.

وأكَّدت شيما أنَّ الوضع معقَّد، في ظل اشتهار الثعالب الطائرة والخفافيش أيضاً بالإضرار ببعض محاصيل الفاكهة، لذا يجب بذل جهودٍ لحماية محاصيل معينة من غارات الخفافيش دون قتلها.

وقالت شيما إنَّ الحكومات أيضاً مُلزمةٌ بتأدية دورٍ رئيسي في هذه القضية يتمثل في توسيع إجراءات الحماية القانونية للخفافيش وموائلها.

 

ماذا يجب فعله؟

 

وأضافت: “تقتضي حماية الثعالب الطائرة حماية الغابات المطيرة وأشجار الأيك الساحلية والمستنقعات، إذ تُعَد أشجار الأيك الساحلية والمستنقعات هي الملاجئ القليلة الأخرى التي تحمي الثعالب الطائرة من مخاطر الصيد، لذا يجب تأمين موائلها في هذه المناطق”.

 

انقراض 6 أنواع من الثعالب الطائرة

 

هناك نحو 70 نوعاً من الثعالب الطائرة في جميع أنحاء العالم، لكنَّ 6 أنواع منها انقرضت في الآونة الأخيرة: وهي الثعالب الطائرة الكبيرة والصغيرة في جُزُر ساموا، والثعالب الطائرة الصغيرة في موريشيوس، والثعالب الطائرة الداكنة، والثعالب الطائرة الكبيرة في جزيرة بالاو، والثعالب الطائرة في جزيرة غوام، وجميعها خفافيش كانت توجد في السابق على جُزُر.

وفي الوقت نفسه، تُعَد نصف الأنواع المتبقية تقريباً من الثعالب الطائرة مهددة بالانقراض، وحتى الكثير من الأنواع غير المهددة بالانقراض ما زالت مُعرَّضة لمخاطر محلية.

لكنَّ شيما قالت إنَّ الخفافيش ليست مُهدَّدة بالصيد وفقدان موائلها فحسب، بل تواجه أيضاً مخاطر بسبب سُمعتها بأنَّها حيوانات مخيفة كريهة ومرتبطةٌ بالمرض فقط تقريباً. وأشارت شيما إلى أنَّ جميع البحوث التي أُجريت عن الخفافيش تقريباً في ماليزيا، بلدها الأم، كانت عن الأمراض التي تسببها الخفافيش، وليس بيئتها أو أهميتها في الحفاظ على مصادر الغذاء والغابات.

وأضافت: “حتى أنصار الحفاظ على البيئة والعلماء تجاهلوها هنا إلى حدٍّ كبير”.

لكنَّ شيما تُغيِّر ذلك الواقع، فحين ظهرت دراستها لأول مرة، أبرزت عنواناً جديراً بالملاحظة في صحيفة ستار الماليزية، تحت عبارة: Dwindling flying fox numbers, dying durian market أو “تضاؤل أعداد الثعالب الطائرة يقضي على صناعة الدوريان”.

وانتشرت الأخبار عن هذه القضية على الصعيد الإقليمي أيضاً في صحيفتي The New Straits Times وThe Malay Mail الماليزيتين، وظهرت شيما نفسها في أحد البرامج الإذاعية المحلية.

وقالت شيما: “تستطيع الثعالب الطائرة تأدية جميع أنواع مهمات التلقيح التي لا نعرفها لمجرد أننا لم نُفكِّر في دراستها، أو لأننا ببساطة حكمنا عليها دون دراستها كما ينبغي”.

 

كيف نحافظ عليها؟

 

وهذا سبب أهمية البحوث الشديدة. لكنَّ المرحلة التالية هي الأصعب حقاً: ألا وهي الحفاظ. إذ يعني الحفاظ على أي كائن إقناع الحكومة والشعب بأهمية حماية الأنواع والبيئة الطبيعية، ثم تطبيق قوانين وإجراءات جديدة على أرض الواقع.

لكنَّ عُشاق الدوريان يجب أن يعرفوا ملحوظة مهمةً: فملكة الفواكة التي تحبونها تعتمد على ملك الخفافيش، وفقدان أحدهما سيعني ضياع الآخر.

وماذا عن كارهي الدوريان؟ لا تقلقوا؛ فمن المُرجَّح أن يُظهِر المزيد من البحث أنَّ هذه الخفافيش تُلقِّح نباتات أخرى فضلاً عن أشجار الدوريان.

فعلى سبيل المثال، تعتقد شيما أنَّ الثعالب الطائرة جزءٌ لا يتجزأ “على الأرجح” من بقاء أهم الأنظمة البيئية على كوكب الأرض: ألا وهي أشجار الأيك الساحلية.

وتُعَد أشجار الأيك الساحلية -التي تحمي سكان المناطق الساحلية من العواصف وتُخزِّن كميات هائلة من الكربون وتوفِّر حضاناتٍ سمكية لأنواع لا تُحصى من الأسماك- جندياً مجهولاً من جنود الطبيعة. وربما تكون معتمدةً على الخفافيش مثل فاكهة الدوريان.

وقالت شيما إنَّها مثل الكثير من الناس، وحتى العديد من علماء الأحياء، لم تعتقد قط أنَّها ستعمل مع الخفافيش. لكنَّها حصلت بعد ذلك على زمالة HSBC-Earthwatch للعمل مع تيغا كينغستون خبيرة الخفافيش لدى جامعة تكساس التقنية.

وأضافت: “لقد كان الإمساك بكائنٍ مُجنَّح ذي زَغَبٍ والاضطرار إلى رؤيته شخصياً عن كثب تجربةً غيَّرت حياتي. أدركتُ آنذاك أنَّني أريد دراسة الخفافيش والمساعدة في حمايتها”.