وَدَّعوا أحبابهم ولم يعودوا.. أمهات وزوجات يحكين قصص الجنود الجزائريين ضحايا فاجعة الطائرة العسكرية

176

انتهت في الجزائر عملية نقل جثامين ضحايا الطائرة العسكرية التي أودت بحياة 257 من المسافرين وعائلاتهم، ومن وراء كل تلك النعوش والتوابيت قصص مؤثرة، لضحايا أغلبهم شباب في عمر الزهور، جُلُّهم من عائلات فقيرة، كان الأمل يحدوهم في تحسين الظروف الاجتماعية لعائلاتهم.

الوالدة لن تستطيع تحقيق حلم ابنها في اختيار العروس، وأخرى لن يتحقق حلمها في الذهاب الى الحج، والخطيبة باتت دموعها منصبَّة على خاتم زيَّن أصبعها لحظاتٍ، والعريس لم يستمتع برفيقة دربه سوى أيام.. وغيرها من القصص الحزينة.

“تبقاو على خير رايح نركب”

في حدود الساعة السابعة والنصف من صباح 11 أبريل/نيسان 2018، المسافرون وهم من مختلف الرتب العسكرية، وينحدرون من ولايات الوطن الـ48، يستقلون طائرة النقل العسكرية كأي رحلة عادية، كل واحد منهم في زاوية يحمل هاتفه النقال ويتكلم مع ذويه.

القصص التي وصلت إلى “عربي بوست”، تشترك في كلمة واحدة تجمع كل الضحايا قبل ركوب الطائرة، وهي بالعامية الجزائرية “تبقاو على خير رايح نركب”، أي أترككم على خير فأنا بصدد ركوب الطائرة.

هذه الجملة سمعها الوالدان، ودغدغت آذان الزوجة والخطيبة، ووصلت لأسماع الأصدقاء والأقارب، قبل أن ينطفئ الهاتف، ومعه حياة صاحبه للأبد.

كما اختار عددهم العناق لآخر مرة في هذا الوجود، وأخذ صورة باتت اليوم الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

أُمٌّ تعيش الثواني الأخيرة مع ولدها

ببراءة الابن المحب لوالدته، يحمل محرز فليتة، أحد ضحايا الطائرة العسكرية المنكوبة في الجزائر، هاتفه النقال، ويتحدث مع والدته، ويخبرها بأن الطائرة على أهبة الانطلاق متوجهةً إلى ولاية تندوف الحدودية مع المغرب وموريتانيا.

محرز البالغ من العمر 26 عاماً، أراد أن يعيش مع أمه الثواني الأخيرة، لما قال لوالدته، حسب تصريحها: “اسمعي أمي صوت الطائرة وهي تنطلق نحو الأجواء”، قبل أن تسمع صراخاً وانفجاراً، قطع الاتصال إلى الأبد.

الوالدة تؤكد أن ابنها كان متوتراً بعض الشيء اليوم الذي سبق الحادث، ورفض أن يأخذ معه أنواع الحلويات التي حُضرت خصيصاً له، بحجة أنه غير متعود على فطور الصباح.

محرز كان يحلم بحياة زوجية سعيدة؛ لكونه قام بالخطوة الأولى من خلال خطبة إحدى بنات حي البرتقال الذي يعيش فيه، لكن القدر شاء أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ببستان البرتقال.

 

يختم شهر العسل بوداع أبدي

استغل  منصوري عباس، أحد الضحايا، عطلته السنوية، كي يكمل نصف دينه كما يقال، بتنظيم عرس في منطقة زريبة الوادي بولاية بسكرة (جنوب شرقي الجزائر)، دعا فيه الأقارب والأصدقاء، معلناً دخوله القفص الذهبي مع التي اختارها شريكة حياته.

وتحولت زغاريد النسوة، وأبواق السيارات وطلقات البارود التي زينت سماء بيت منصوري عباس في 25 مارس/آذار 2018، في لحظة، إلى بيت للعزاء والبكاء، والوداع الأخير.

ويقول عمه محسن في تصريح لـ”عربي بوست”، إن حلم والدة عباس كان “أن تراه مع زوجته وأولاده، فتحقق لها نصف الحلم وكانت حينها في قمة الفرح، ولم يشأ الله أن يتحقق لها النصف الثاني، فحزنت كثيراً لفراق ولدها”.

اللحظات الأخيرة للخروج من البيت، اختتمها عباس بتقبيل رأس الوالدين، ونظرات إلى زوجته التي ما زال حياء الأيام الأولى من الزواج يكسو محياها، وكله أمل باللقاء القريب.

يتوجه عباس، المنخرط في صفوف الصحة العسكرية، ويعمل ممرضاً بإحدى ثكنات ولاية بشار، يضيف محسن، إلى محطة نقل المسافرين، وقبل ركوبه في سيارة الأجرة التي أقلَّته إلى العاصمة الجزائر ومن ثم إلى مطار بوفاريك بالبليدة، ضم والده الى صدره وقال: “اتهلاو في رواحكم وتهلاو في ضيفتكم”، أي اعتنوا بنفسكم جيداً واعتنوا بالضيفة التي بالبيت، ويقصد زوجته.

آخر مكالمة أجراها عباس كانت مع زوجته، يردف محسن: “قبل ركوبه الطائرة، رن هاتف زوجته، وطلب منها الاعتناء الجيد بوالديه، كما وعدها بأن يتغلب على مشكل البعد مستقبلاً؛ ليكون قريباً منها”.

عباس منصوري، وحيد عائلته من الذكور، كان مهتماً بالرياضة والتربية البدنية، بحسب زميله رمزي بوكزولة، الذي قضى معه أكثر من شهرين في عيادة الثكنة العسكرية بالجلفة.

وقال بوكزولة في تصريح لـ”عربي بوست”، إن عباس كان قمة في الأخلاق والأدب، وكان محباً للرياضة، والسمة الأبرز فيه هي كونه كان باراً بوالديه، ولا ينقطع عن الصلاة مهما كلفه الأمر ذلك.

في العيادة، يضيف: “الكل يتمنى أن يداويه الممرض عباس، فشخصيته المرحة وخفة روحه ومعاملاته تجعلك ترتاح نفسياً قبل كل شيء”.

وما يحز في نفس رمزي، أنه لم يتمكن من حضور عرس زميله عباس في 25 مارس/آذار 2018؛ لارتباطات في العمل.

ليودع عباس الجميع دون رجعة، تاركاً معه الذكريات وحسابه على الفيسبوك الذي اختار له خلفية الصورة لوالديه وعبارة “الموت بلا موعد.. اعتنوا بالوالدين”.

“لن أصوم معك رمضان”

أيوب سباعي، صاحب الـ28 عاماً، من منطقة صالح باي في سطيف (شرق الجزائر)، هو الآخر ودَّع الجميع بلا رجعة، بالحادث الأخير للطائرة العسكرية في بوفاريك، وكانت له لحظات أخيرة تمزق القلب.

محمد خال أيوب، يؤكد لـ”عربي بوست”، إن ابن أخته مجند في صفوف القوات العسكرية من 10 سنوات، قضى 3 منها في ولاية الطارف أقصى شرقي الجزائر، والسنوات الـ7 الأخرى قضاها مجنداً بولاية تندوف.

أيوب سباعي، بحسب خاله، دائماً كان حريصاً على صلة القرابة، وكان متعلقاً كثيراً بوالدته، حيث أجرى آخر مكالمة معها قبل انطلاق الطائرة بدقائق، بحيث أخبرها بأسف كبير بأنه “لا يمكنه صيام شهر رمضان في البيت”، وهو ما أبكى والدته، قبل أن تنقطع المكالمة للأبد.

مهدي صديق أيوب المقرب، يتحدث لـ”عربي بوست”، عن آخر لحظاته مع صديقه، حيث كان هو من أقلَّه إلى محطة نقل المسافرين البرية في سطيف ليلة 10 أبريل/نيسان 2018، وكان يردد في الطريق قائلاً: “كم أخاف ركوب طائرة تندوف”.

وفوق ذلك، بدا أيوب في قمة القلق؛ لأن والدته -بحسب صديقه- كانت ومن غير العادة متخوفةً من ذهاب ابنها، وكانت حريصة على السؤال: “إن كان سيقضي معها شهر رمضان؟”.

وأكد المتحدث أن أيوب كان قدوة في مقر سكنه بعين ولمان، من حيث الأخلاق والمعاملات.

وعد الحج لم يكتمل

قبَّل رأس والدته في حدود الساعة الثامنة من مساء 10 أبريل/نيسان 2018، ومسك بيدها قائلاً: “لو يكتب ربي ويطيل الأعمار فسأبعثك إلى الحج الموسم المقبل بحول الله”.

كان هذا آخر لقاء مباشر بين أمين جغرور أحد ضحايا الطائرة، مع والدته بمقر سكناهم في بلدية بني ولبان بسكيكدة (شرق الجزائر)، بعد عطلة دامت 14 يوماً، مرت كبرق البصر.

والدته المحطمة عائشة ليزيدي، تأبى عيناها نسيان الدموع، تبكي بحرقة على آخر عنقود العائلة أمين، الذي ذهب ليحقق آمال العائلة، قبل أن يعود في تابوت، وتتبخر الآمال والأحلام.

عائشة تتحدث مع “عربي بوست”، وتؤكد أن أمين “كان باراً وأميناً، وكان حريصاً على مستقبله ومستقبل إخوته، فكان دائماً يفكر في البحث عن مناصب عمل لأخويه العاطلين، كما كان حريص على توفير مستلزمات البيت في كل عطلة يقضيها مع العائلة”.

وتضيف المتحدثة:” أمين ترك مقاعد الدراسة قبل 4 سنوات من الآن، وقرر الالتحاق بالقطاع العسكري بإحدى ثكنات ولاية تندوف حيث قضى 3 سنوات كاملة، مغامراً بشبابه ومتحدياً صعوبة الخدمة والصحراء ليلبي للعائلة احتياجاتها”.

قبل العودة إلى العمل، تضيف، “أخذني في رحلة تسوق، واشترى لي الكثير من الأشياء، وقال لي: (لا تخافي أنا هنا معك أمي)، ووعد بأن يساعد أخويه في العثور على مناصب عمل”.

وبدمعة حارقة، تتحدث: “وعدني بأن يرسلني إلى الحج، فسبقني إلى جوار ربه، إنا لله وإنا إليه راجعون”.

كان سيتزوج بعد عيد الفطر

فارس فتحي، صاحب الـ25 من العمر، من ولاية المسيلة جنوب العاصمة الجزائر، ودع هذا العالم بدعوات لعرسه الذي كان مقرراً بعد عيد الفطر المقبل.

حيث غادر فارس، البيت عائداً إلى عمله في صفوف الدرك الوطني بولاية تندوف، تاركاً وصايا بمكالمات ودعوات إلى حفل زفافه، الذي انتهى حلمه به في حادث الطائرة صباح 11 أبريل/نيسان 2018.