مهما أغدق عليهم بالأموال لن يجد ترمب زعيماً فلسطينياً يوقِّع على صفقة القرن.. أما الكوريون فسيخدعونه في النهاية!

956

«صفقة القرن خارج حدود إمكانات ترمب» بهذه الكلمات القليلة لخَّص اثنان من خبراء السياسة الخارجية الأميركية النتائجَ المتوقعة من محاولات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إبرام ما يُعرف بصفقة القرن كحلٍّ نهائي لأزمة الشرق الأوسط.

جاء ذلك في مقال مشترك كتبه لصحيفة The Washington Post الأميركية كل من ماكس بوت الكاتب في الصحيفة، والمُحلِّل لدى شبكة CNN الأميركية، وأحد المحللين البارزين في السياسة الخارجية والصراعات المسلحة، وكذلك سو مي تيرري، الزميلة الكبيرة المتخصصة في الشؤون الكورية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

المشكلة لا تقتصر على الشرق الأوسط ولكن في نهج ترمب برّمته

«لا يوجد أي منطق في أن تذهب دولةٌ إلى بقعةٍ مختلفة تماماً من العالم، لتحاول فرض منظورٍ جديدٍ تماماً لحلِّ إشكالٍ سياسي مستعصٍ على العلاج منذ أمدٍ بعيد، هكذا يعبِّر الكاتبان عن رؤيتهما تجاه طريقة ترمب.

ويضيفان: في الأشهر الأخيرة، انصبَّ تركيزنا نحن الاثنين على النهج الدبلوماسي الذي يتبعه ترمب مع كيم جونغ أون، فيما يتعلق ببرنامج كوريا الشمالية النووي، وما إذا كان سينجح في خطوته الأولى بعرض مزايا اقتصادية وأمنية، مقابل سلامٍ دائم مع كوريا الشمالية.

حاولت الولايات المتحدة أن تتبع نهجاً مشابهاً مع الفلسطينيين، ولا تزال تحاول، في ظلِّ عمل البيت الأبيض على إنجاز «خطة السلام» في صورتها الأخيرة.

كل هذه الأموال تدفَّقت على الفلسطينيين

قدَّمَت عملية أوسلو للسلام، التي بدأت عام 1993، للفلسطينيين صفقةً يحصلون بموجبها على دولةٍ مستقلة، مقابل الاعتراف بإسرائيل وإنهاء المقاومة المسلَّحة.

وليسيل لعاب الفلسطينيين على قبول الصفقة، حسب تعبير الكاتبين، أمطرت الولايات المتحدة وحلفاؤها السلطة الفلسطينية بالمساعدات. ومنذ عام 1993، تلقَّت السلطة الفلسطينية أكثر من 31 مليار دولار في صورة مساعداتٍ مباشرة.

يقول الكاتبان: شهدنا بعض ثمار تلك المساعدات، بالإضافة إلى تحويلات الفلسطينيين بالخارج، حين ذهبنا إلى زيارة رام الله، في الضفة الغربية، كجزءٍ من رحلةٍ نظَّمتها مجموعةٌ غير حزبية تُسمَّى Academic Exchange. حين ذهبنا وجدنا العاصمة الفعلية لفلسطين تعج بالمباني الجديدة البرَّاقة، ومن بينها فندقٌ شاهق التقينا فيه مسؤولين فلسطينيين. وزاد إجمالي الناتج المحلي للفرد في أوساط الفلسطينيين بأكثر من الضعف، ليتصاعد من 1200 دولار عام 1994 إلى 2900 دولار اليوم.

ولكن رغم التنسيق الأمني لم يجرؤ أي زعيم فلسطيني على توقيع اتفاق نهائي

وأسهمت المساعدات الاقتصادية في تمهيد الطريق أمام التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، غير أنها لم تقرِّب قط إحلال السلام.

إذ لم يقدم أيُّ زعيم فلسطيني منذ ذلك الحين على توقيع اتفاقٍ «نهائي»، من شأنه أن يحل القضايا الخلافية مثل وضع القدس أو مطالبة الفلسطينيين بـ»حق العودة».

وحتى وإن كانت قيادات السلطة الفلسطينية مستعدة للتسوية، فإنها لن تغير من موقف حماس، التي تقصف جنوب إسرائيل بـ»الطائرات الورقية الحارقة» والصواريخ من مقرها في غزة، حسب كاتبي المقال.

فلا أحد مستعد لإنهاء الصراع

و لم تقدم حماس ولا فتح على إنهاء الصراع؛ لأن معارضة الوجود الإسرائيلي، وفقاً لمفاوض عسكري إسرائيلي سابق، جزءٌ لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية. لم يسبق أن ترك القادة الفلسطينيون يوماً يمر دون أن يقاوموا الدولة اليهودية، حتى ولو بالخطب الرنانة، وهم غير مستعدين لتقديم التضحيات الجسام اللازمة لإحلال السلام، حسب تعبير الكاتبين.

كما أن إسرائيل، في ظل الحكومة اليمينية، غير مستعدة هي الأخرى للتضحية. ولديها روايتها الخاصة التي تلعب فيها دور الضحية، ولا تحمل أي ثقةٍ تجاه الفلسطينيين، وتخضع لإرادة لوبي المستوطنين.

تجدر الإشارة إلى أنه حسب تقارير متعددة، فإن ما يرشح عن عناصر للخطة الأميركية يتوافق مع ما تبدي الحكومة الإسرائيلية الحالية الاستعداد للقبول به.

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي يوني بن مناحيم، لوكالة الأناضول التركية، إن المستوى السياسي الحالي في إسرائيل لا يريد دولة فلسطينية، وهو يبدي استعداداً لكيان فلسطيني أقل من دولة على أجزاء من الأراضي الفلسطينية، وهو ما يطلق عليه في تل أبيب (حكم ذاتي زائد)، دون عاصمة في القدس الشرقية، وبدون غور الأردن أو عودة اللاجئين.

وأضاف بدعم من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، استطاع مستشارو الرئيس الأميركي جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفيد فريدمان، إقناعه بوضع خطة على مقاس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء الصراع.

وفِي كوريا لن يكون ترمب أسعد حظاً

أما كوريا الشمالية، فهي دولة حديثة السن نسبياً، تشكَّلت هويتها بمعارضة الأعداء الخارجيين. ومنذ عام 1948، استولت عائلة كيم على الحق في الحكم باعتبارها المدافع عن الطبقة العاملة الكورية ضد «الإقطاعيين» و»الإمبرياليين» الأميركيين و»خدَّامهم» في سيول.

يطلق ترمب الوعود بأن يجعل كوريا الشمالية «غنيَّة جداً» إذا ما تخلَّت عن أسلحتها النووية وصواريخها.

ودار الحديث عن عقد اتفاقية سلام والاعتراف الدبلوماسي الأميركي ببيونغ يانغ.

ولكن مِن وجهة نظر الكاتبين، فإنه إذا ما قبل كيم هذه «الصفقة التاريخية«، فإنه لن يتخلَّى عن الأسلحة التي تضمن بقاءه، ولن يتخلى أيضاً عن المبررات الأيديولوجية التي يستند إليها نظامه، أي الحجة المستخدمة لتبرير عقودٍ من المعاناة عاشها شعب كوريا الشمالية.

رغم إعجاب كيم المرجح بالغرب فإن غورباتشوف لن يجعله يتخلى عن أسلحته النووية

لقد شهد العالم قادة مستبصرين، مثل مصطفى كمال أتاتورك، ودينغ شياو بينغ، وميخائيل غورباتشوف، الذين أحدثوا تحوُّلاتٍ كبرى كهذه، حسب وصف الكاتبين.

غير أن غورباتشوف يعد جرس إنذارٍ لكيم؛ إذ أفضت محاولته تحويل الاتحاد السوفيتي إلى النهج الليبرالي إلى تدمير الدولة وتقويض سلطته».

يقول الكاتبان الأميركيان، نعلم جميعاً أن كيم ليس بالديكتاتور الهيِّن، وهو مستعدٌ لقتل أقاربه أنفسهم. فهل يُعقَل أن يكون قائداً يقود عمليةَ تحوُّلٍ أيضاً؟

صحيحٌ أنه يدرك، بحكم تلقِّي تعليمه في سويسرا، أن الحياة في الغرب أفضل بكثير.

ولا شك أنه لن يكره أن يرى مملكته أكثر رخاءً؛ وعلى ذلك، فإنه من أجل تخفيف العقوبات وتعزيز شرعيته، مسرورٌ بمخالطة قادة العالم، بمن فيهم ترمب.

ولكن لا ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد فيما يتعلَّق بنزع السلاح النووي، إلا إذا قدَّم إعلاناً كاملاً لبرنامجه النووي، الذي يُخفي الكثير منه. حتى اللحظة لم يفعل كيم ذلك، بل إن ما يقوم به فعلاً هو تعزيز منشآت الأبحاث النووية في بلاده.

وبالتالي يجب عدم رفع سقف التوقعات، وهذا هو البديل الواقعي لصفقة القرن

وعلى ذلك، فنحن لم نشهد أيَّ دليلٍ على أن كيم سيكون أجرأ وأشجع من القادة الفلسطينيين في السعي لإحلال السلام، حسب وصف الكاتبين الأميركيين (اللذين لم يتحدثا كثيراً عن التنازلات التي يجب أن يقدمها القادة الإسرائيليون).

فالحكام الشموليون غير المنتخبين لا يمكنهم أن يتحمَّلوا بسهولة تبعات إذابة الغراء الأيديولوجي الذي يُبقي أنظمته المتداعية قائمة، أياً ما كانت المزايا التي يُغرون بها.

وفيما يتعلَّق بالفلسطينيين وكوريا الشمالية، فإن أقصى ما يمكننا أن نصبو إليه في أحسن الأحوال هو إدارة الصراع، بأن يتم الاتفاق مع حماس على سبيل المثال، على إيقاف قصف إسرائيل بالصواريخ، وربما مع كيم الاتفاق على تضييق نطاق ترسانته النووية. أما «صفقة القرن» التي يسعى ترمب إليها «لحل» كلتا الإشكاليتين، فهي أمرٌ يحتمل أن يظل بعيد المنال.