أول سبّاحة أولمبية في غزة

197

في أحواض سباحة مؤقتة أو مملوءة بالمياه العكرة تتدرب يومياً، تنتقل من مكان لآخر للبحث عن حوض سباحة مناسب فلا تجد واحداً في غزة برمتها.

من الصعب أن تكون فتاة من غزة تبلغ من العمر 13 عاماً ونجت من ثلاث حروب مرشحةً للفوز ببطولةسباحة في الألعاب الأولمبية، ولكن الفتاة الفلسطينية فاطمة أبوشيدق مصممة على  الوصول إلى أولمبياد طوكيو 2020 رغم الظروف الصعبة التي تواجهها، حسب ما ورد في تقرير لصحيفة The Independent البريطانية.

والدها وعمها مأساة مروعة في غارة إسرائيلية واحدة

فحتى أربع سنوات مضت، لم تكن فاطمة أبوشيدق لا تستطيع السباحة وحسب، بل لم تذهب إلى أي مسبح مطلقاً.

لكن رغم التحديات التي تواجهها، قضت فاطمة أيامها وهي تحلم بالوقوف على خط البداية في أولمبياد طوكيو 2020 كأول سباحة أولمبية من غزة.

رأت الفتاة ساقي عمها وهما تبتران في نفس الضربة الجوية التي قتلت والدها ودمرت منزلهم في بيت لاهيا شمال غزة، في 2014، خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

استمرت هذه الحرب طوال 51 يوماً وخلَّفت أكثر من 2200 قتيل فلسطيني و73 قتيلاً إسرائيلياً.

وفِي وسط هذا الحزن ظهر المدرب طنطش

مثل العديد من الأطفال في قطاع غزة الصغير، عانت فاطمة من توتر ما بعد الصدمة. حتى شجعها أمجد طنطش (42 عاماً)، وهو مدرب سباحة ولاعب أولمبي سابق، لتعلم السباحة كوسيلةٍ لتفريغ إحباطها وغضبها.

قالت فاطمة بينما كانت تجلس بالقرب من مسبحٍ ممتلئ بالمياه الخضراء العكرة في مدينة غزة: «بعد وفاة أبي بأسبوع، اتصل أمجد بأمي وعرض أن يعطيني أنا وأخي دروساً في السباحة. قُتل والدي بشظايا قصفٍ جوي ارتدت من الحائط لتصيب قلبه. وبترت نفس الضربة الجوية ساق عمي. كنا جميعاً نصرخ أسفل الدرج».

وأضافت: «من المهم للغاية بالنسبة لي أن أحقق حلمي وحلم عائلتي ومدربي بأن أكون أول سبّاحة من غزة تشارك في الأولمبياد».

والآن هي تتلقى تدريباتها في أماكن لا يمكن تصورها للاعبة أولمبية

خلال السنوات الأربع اللاحقة، قضت الفتاة المولعة بكرة القدم واللياقة البدنية وقت فراغها وهي تتمرن في أحواض سباحة قذرة، وأحياناً مؤقتة.

تدخل غزة في عامها الـ11 من الحصار الإسرائيلي، ما يعني أنَّ فاطمة لا تستطيع حتى الحصول على معدات سباحة ملائمة. فهي تسبح بزوجٍ من «المنامات» غير المتناسقة. وإذا تأهلت للأولمبياد، ستكون هذه أول رحلة لها خارج قطاع غزة، الذي يبلغ طوله 25 ميلاً فقط.

وقالت إنَّ السباحة ساعدتها في التعامل مع صدمة الحرب وجعلتها أكثر قوةً.

وأضافت: «لا أريد أن أخاف بعد الآن. أريد أن أكون قوية. اعتدتُ الخوف من المسبح، ومن المياه، لكنَّني لم أعد كذلك. لقد قررت العمل على تطوير قدراتي كي أنجح».

حرب جديدة محتملة ونسب صادمة للأطفال الذين يعانون الاكتئاب

في يونيو/حزيران الماضي، ذكرت منظمة «أنقذوا الأطفال» أنَّ هناك نسبة صاعقة تصل إلى 95% من الأطفال في غزة يعانون من الاكتئاب، وهو أمرٌ طبيعي في ظل الأزمات النفسية العميقة التي يتعرضون لها. وقالت المنظمة إنَّ التهديد المتواصل بالصراع، والخوف من القنابل، والشعور المتواصل بعدم الأمان الناتج عن الوضع السياسي المضطرب خلق أزمةً نفسية في البلاد.

ويخشى كثيرون أن تكون غزة على وشك الدخول في حربٍ مع إسرائيل بعد أن وصل التوتر بين الجانبين إلى حد الغليان.

ففي يوم الجمعة الماضي، 20 يوليو/تموز، قال الجيش الإسرائيلي إنَّ أحد جنوده قُتل على يد مُسلّحين فلسطينيين بالقرب من الحدود، وهي أول حادثة قتل في الجيش الإسرائيلي بالقرب من غزة منذ حرب 2014. أطلق الجيش الإسرائيلي موجةً من الضربات الجوية استهدفت أكثر من 60 موقعاً عسكرياً في القطاع ضمن واحدٍ من أكثر الأيام عنفاً خلال أربع سنوات.

بنهاية اليوم، قالت وزارة الصحة في قطاع غزة، إنَّه قُتل ما لا يقل عن 4 فلسطينيين. وبعد أن احتدم القصف عبر القطاع، أُعِيدَ فرض الهدنة غير المستقرة التي توسطت فيها مصر خلال حرب 2014. وفي يوم السبت، 21 يوليو/تموز، حثت الأمم المتحدة الجانبين على «وجوب» التراجع عن حافة «الصراع المدمر».

ومطالبات لا تتوقف بالعودة لأرض الأجداد

وفي قلب الهجمات العدائية الأخيرة بين الطرفين كانت التظاهرات الفلسطينية التي استمرت طوال 16 أسبوعاً بالقرب من السياج الحدودي، وواجهها الجيش الإسرائيلي بالعنف. وقُتل أكثر من 140 فلسطينياً برصاصٍ إسرائيلي منذ 30 مارس/آذار الماضي عندما تقدم سكان غزة صوب السياج الحدودي، مطالبين بحق العودة إلى أرض أجدادهم التي خرجوا منها قسراً خلال حرب عام 1948، التي أحاطت تأسيس دولة إسرائيل.

واعتاد بعض المتظاهرين إطلاق طائراتٍ ورقية حارقة وبالوناتٍ مربوطٌ بها متفجرات صوب إسرائيل، ما تسبب في اندلاع أكثر من 750 حريقاً في الغابات وحرق نحو 2600 هكتار (26 كيلومتراً مربعاً) من الأراضي.

ويؤكد الفلسطينيون أنَّ مظاهراتهم سلمية، وأنَّ إسرائيل تطلق الرصاص الحي عليهم . بينما تقول إسرائيل إنَّ جنودها تعرضوا لهجومٍ، وإنَّ حرائق الغابات تعرض المدنيين الإسرائيليين للخطر.

وشهدت بداية الأسبوع الجاري أكثر حملات تبادل إطلاق النار كثافةً بين غزة وإسرائيل منذ حرب 2014. وذكرت تقارير أنَّ مصر تدخلت لوقف اندلاع الحرب بين الطرفين.

السباحة وسيلة للنجاة.. مبادرة بدأت باستخدام أطلال المباني المدمرة

والأطفال، مثل فاطمة، هم أكثر من يعانون وسط الصراع المتصاعد.

وقال مدرب السباحة طنطش، إنَّ هناك القليل من المصادر والمنافذ المتاحة للشباب كي يتعاملوا مع الصدمات النفسية، لكنَّ السباحة أثبتت أنها بديلٌ رخيص.

أطلق المدرب مبادرته للسباحة عام 1999، وقال إنَّه درَّب أكثر من 5400 شخص على السباحة منذ ذلك الحين.

ولأنَّه حُرم من الوصول إلى أحواض السباحة في بادئ الأمر، قرر طنطش في أعقاب الدمار الذي لحق حرب 2014 بناء مسبح مؤقت باستخدام كتل أسمنتية من المباني المُفجَّرَة لتطويق منطقة من الشاطئ شمالي غزة، حيث تكون المياه أقل تلوثاً.

وفي عام 2015 وحده، درَّب طنطش حوالي 465 طفلاً، الذين تلقى معظمهم دروس سباحة مجاناً.

وتبدو فاطمة أفضل أمل لديه لتحقيق حلمه

«جميعهم منكوبون جراء الحرب. خسروا إما والداً، أو أماً، أو قريباً، أو دُمر منزلهم»، هكذا قال طنطش لصحيفة The Independent البريطانية.

وأضاف: «لكنَّ طموحنا الجديد هو إعداد بعض هؤلاء الأطفال حتى يكونوا مؤهلين للمشاركة في الأولمبياد».

فاطمة هي أفضل فرصنا حتى الآن؛ إذ تطوّرت بوتيرةٍ هي الأسرع. لذا، نأمل أن تمثل غزة في طوكيو 2020. لم أرَ مطلقاً هذا القدر من التصميم والإصرار».

ولكن كيف يمكن لها المشاركة وفلسطين غير معترف بها

وتشارك فلسطين في الأولمبياد منذ عام 1996 ممثلةً عبر اللجنة الأولمبية الدولية؛ لأنَّها غير مُعترف بها كدولة.

منذ ذلك الحين، شارك أكثر من 20 لاعباً في ألعاب القوى، والجودو، والسباحة. باستثناء شخصٍ واحد، وهو لاعب جودو شاب من مدينة القدس كان قد تأهل لدورة الألعاب الأولمبية 2012 في لندن، تنافس بقية اللاعبين ضمن برنامجٍ يسمح بمشاركة اللاعبين غير المؤهلين وفقاً لشروطٍ محددة.

وتختار اللجنة الأولمبية الفلسطينية فريقها من غزة، والضفة الغربية، وتجمعات الفلسطينيين في مختلف أنحاء العالم. لذا، تواجه فاطمة منافسةً محتدمة بينما تتدرب بمواردَ ضئيلة.

والمشكلة أنه في غزة كلها لا يوجد حمام سباحة بمواصفات أولمبية

ينقص قطاع غزة حمام سباحة حجمه يتوافق مع المعايير الأولمبية، وتجد حمامات السباحة القليلة الموجودة صعوبةً في مواصلة نشاطها وسط عجز الطاقة المزمن. كما أنَّ السباحة في البحر خطرةٌ للغاية.

وقالت هيئة البيئة في قطاع غزة العام الماضي 2017، إنَّ ثلثي مساحة ساحلها البالغ طوله 25 ميلاً ملوثٌ على نحوٍ خطير.

لا تستطيع محطات معالجة الصرف الصحي مواصلة عملها بسبب نقص الطاقة. وقالت الأمم المتحدة إنَّ أكثر من 100 مليون لتر من مياه الصرف تُضخ في البحر المجاور لغزة يومياً.

ووفقاً للجنة الأولمبية الفلسطينية في غزة، أصبحت محاولة تدريب فريق سباحة مهمةً شبه مستحيلة في ظل وجود شواطئ قذرة، وكهرباء غير كافية للحفاظ على حمامات السباحة نظيفةً.

والحصار الإسرائيلي يعتبر المعدات الرياضية عتاداً حربياً

في مكتبٍ محطم، وبينما كان يجلس أمام مروحةٍ تعمل ببطارية، قال منذر مسلمة، أمين عام اللجنة، إنَّ وصول سباح من غزة إلى الأولمبياد سيكون «إنجازاً كبيراً».

وقال لصحيفة The Independent البريطانية: «لا يوجد حمام سباحة واحد في غزة مطابق للمعايير العالمية. وتساهم مشكلات بنيتنا التحتية في جعل الوضع أكثر صعوبةً. إذا أصبح لدينا سباحة هنا فسيكون هذا إنجازاً كبيراً نظراً لنقص الموارد بالقطاع».

ويحد الحصار الإسرائيلي أيضاً من وصول المعدات الرياضية إلى القطاع. ويقول مسلمة إنَّه حتى أعمدة المرمى الحديدية قد جرى حظرها؛ لأن إسرائيل تخشى أن يستخدموها في تصنيع الأسلحة.

وأضاف: «تعلق المعدات الرياضية في الموانئ لسنواتٍ دون أن تصل إلى اللاعبين. علاوةً على هذا، منعت إسرائيل في وقتٍ سابق خروج لاعبين من قطاع غزة للمشاركة في البطولات الدولية».

ومع ذلك حلم فاطمة أكبر من مجرد المشاركة في الأولمبياد

تأمل فاطمة أن تحصل يوماً ما على تصريحٍ لمغادرة غزة والمشاركة في الألعاب الأولمبية.

وقالت فاطمة بينما ترتدي منامة السباحة: «أريد أن أحقق حلمي بأن يقع عليّ الاختيار للمشاركة في الأولمبياد، حتى أستطيع السفر والمنافسة في سباق الـ100 متر».

وتابعت: «لا أريد أن أشارك فقط، بل أريد الحصول على المركز الأول، حتى يفخر بي من اختارني».