بعد سيطرة بشار الأسد على درعا.. The Daily Beast: الحرب انتهت والعالم تخلَّى عن المعارضة السورية

9٬017

بعد سيطرة بشار الأسد على مدينة درعا، تعاني المدينة ، بعد إخلائها من المقاتلين، وبدت كما لو ان الحرب انتهت والعالم تخلَّى عن المعارضة السورية

كل هذه المعاناة سردها تقرير نشره موقع The Daily Beast الأميركي ورصد خروج المقاتلين وتسليم أسلحتهم  إلى نظام بشار الأسد، بنهاية شهر يونيو/حزيران، وذلك بعد أسابيع من  المعارك والتفجيرات.

ويحكي التقرير الذي نشرته الكاتبة ليندسي سنيل، وهي متخصصة في تغطية النزاعات والأزمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخاصة سوريا، أن مدينة درعا كانت ذات أهميةٍ رمزية لكونها مهد الحرب السورية، لكنَّها كذلك مهمةٌ من الناحية الاستراتيجية، لكونها تقع قرب الحدود مع الأردن.

وترصد الكاتبة، ردَّ فعل رائد الشيخ، أحد أبناء مدينة أتارب، التي تقع بين محافظتي حلب وإدلب السوريتين، على بعد 442.5 كم شمالي درعا، وهو يتابع تطورات الموقف على موقع تويتر من منزله، وتقول: بعث لي برسالةٍ على تطبيق واتساب، يقول فيها: «الحرب انتهت. أنا بحاجة إلى أن أغادر سوريا، لا بد أن أرحل سريعاً».

بالتأكيد خسرت المعارضة بشكل كبير في الحالة السورية

بالتأكيد بدأت الحرب في سوريا تقترب من نهايتها، وبعض أكبر الخاسرين فيها هم المعارضون، الذين اعتقد الأميركيون سابقاً أنَّهم الأخيار، نسبياً بالمقارنة بغيرهم. فهؤلاء هم الرجال الذين يحاربون نظام الأسد، وفي الوقت نفسه يعادون أذرع القاعدة التي كانت تنتشر داخل سوريا، وما يُطلق عليه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس الإثنين، إن قوات الحكومة السورية على وشك السيطرة على آخر منطقة ما زالت في قبضة مقاتلي المعارضة، في جنوب غربي البلاد.

وذكر المرصد أن القوات الحكومية الزاحفة سيطرت على كل المناطق باستثناء ثلاث قرى، ما زال يسيطر عليها مقاتلو جماعة جيش خالد بن الوليد، المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، والتي تسيطر على حوض اليرموك.

ويسعى  بشار الأسد لاسترداد كل جنوب غربي البلاد، في هجوم بدأ الشهر الماضي، وقد استردّ حتى الآن مساحات كبيرة من الأراضي من مقاتلي المعارضة، الذين يقاتلون تحت لواء الجيش السوري الحر.

واستردَّ الأسد حتى الآن مساحات واسعة من محافظة درعا في جنوب غربي البلاد، من مقاتلي الجيش السوري الحر، الذين اضطر كثيرون منهم إلى قبول اتفاقيات استسلام توسَّط فيها ضباط روس.

وفي بداية الهجوم، أبلغت الولايات المتحدة مقاتلي المعارضة الذين زوَّدتهم بالسلاح في الماضي ألا يتوقعوا تدخلها.

رائد هو واحدٌ من آلاف مقاتلي المعارضة في شمال غربي سوريا، الذين يفكرون في مستقبلهم، بينما تستعيد قوات الأسد، مدعومةً بالقوات الإيرانية والروسية، مناطق سيطرة المعارضة جزءاً تلو الآخر. وينضم رائد حالياً لجبهة تحرير سوريا، بعد سنواتٍ من الانضمام لجماعاتٍ مختلفة.

وقضى رائد أغلب فترة الحرب السورية يعمل «ناشطاً إعلامياً»، يصور المعارك في المناطق المحاصرة التي توقف الصحافيون الدوليون بشكلٍ كبير عن زيارتها منذ عام 2013. واستطاع طوال سنوات الحرب أنَّ يبيع بعضاً من فيديوهاته إلى وسائل إعلام أجنبية، غير أنَّه يقول إنَّ الاهتمام بأزمة المعارضة السورية خبا مع الوقت. وأضاف: «العالم بأكمله تخلى عنا. والإعلام لم يعد مهتماً».

وذلك بسبب الاقتتال الداخلي بين فصائل المعارضة

ويقول رائد الشيخ، أحد أبناء مدينة أتارب، إنَّه اعتبر أنَّ المعارضة خسرت الحربحتى قبل استعادة نظام الأسد لحلب في أواخر عام 2016. ويُلقي باللوم في ذلك على سنواتٍ من الاقتتال الداخلي بين جماعات المعارضة المختلفة: «إذا كانت الفصائل (السورية) تحارب بعضها البعض، فكيف ستتمكن من محاربة النظام؟».

ويرى رائد أنَّ هيئة تحرير الشام، وهي الذراع السابقة لتنظيم القاعدة في سوريا، وكانت تُعرف سابقاً باسم «جبهة النصرة»، هي التي تسبَّبت بشكلٍ كبير في اندلاع هذه النزاعات الداخلية بين صفوف المعارضة.

فحين انتزعت هذه الجماعة إدلب من نظام الأسد في 2015، بدأت تفرض سيطرتها على فصائل الجيش السوري الحر في القرى المحيطة. وكانت تهاجم كل من لم يتعاون كلياً وتنزع أسلحته. وأضاف رائد: «دمرت جماعات. فجماعتي القديمة، جيش المجاهدين، دُمِرَت على يد هيئة تحرير الشام».

ويتذكر زياد إبراهيم، وهو مقاتل آخر في صفوف جبهة تحرير سوريا في أتارب، حين استُقبِلَت هيئة تحرير الشام لأول مرة في بلدته: «في البداية جاؤوا إلى هنا وأعطوا المدنيين طعاماً. وظن الناس أنَّهم أخيار مقارنةً بداعش. لكنَّنا سرعان ما أدركنا أنَّ هيئة تحرير الشام ليست أفضل كثيراً من داعش. فقد نصبت خياماً صغيرة… أطلقت عليها اسم مراكز تعليم إسلامية… لكنَّها كانت أماكن لغسيل أدمغتنا. بالضبط مثلما كانت تفعل داعش في الرقة، لكن بطريقة ألطف».

وشاهد زياد كيف غيَّر كثيرٌ من رفاقه المقاتلين مظهرهم وعاداتهم. إذ استُبدِلت قصة الشعر المنتصبة والثياب ذات الطابع الغربي بلحى وأثوابٍ طويلة. وتوقف الكثير منهم كذلك عن التدخين، وهي العادة السيئة التي كانت محببة لكثيرٍ من جنود الجيش السوري الحر، لكن حظرتها قوانين الشريعة الصارمة التي فرضتها هيئة تحرير الشام. وكانت النساء على الأغلب يغطين وجوههن بالنقاب، بدلاً من مجرد الحجاب، الذي كان سائداً سابقاً في بلدته. وظهرت كذلك مراكز لتوفير تعليمٍ خاص للسيدات، وبدت وكأنها تأسست فقط لتقديم النقاب للسيدات بأحياء المدينة.

وقال زياد: «كان لهم تأثيرٌ كبير على شبابنا. لكن الأسوأ أنَّهم أضروا بالمعارضة».

وكان عبدالله حسن، البالغ من العمر الآن 20 عاماً، في الرابعة عشرة من عمره حين بدأ يقاتل في صفوف جيش المجاهدين، ذراع الجيش السوري الحر في كفر حلب، وهي قرية في ريف حلب الغربي. وقال: «في البداية ولمدة عام، كنت أؤمن نقاط التفتيش، وهو ما لم يكن صعباً أو مخيفاً. وخضتُ أول معركة لي حين كنتُ في الخامسة عشرة. لن أنسى أبداً ذلك الشعور. كنتُ خائفاً بالطبع… لكنَّني كنت سعيداً جداً أيضاً».

وتوضح صور عبدالله المنشورة على الفيسبوك مراحل تحوله من طفل إلى مقاتل. إذ يظهر في صورة وهو بعمر الثالثة عشرة ممتطياً حصاناً ومرتدياً قميصاً وبنطلون جينز، بينما في صورة أخرى وهو في السادسة عشرة ويحمل بندقية كلاشنيكوف طراز «إيه كيه 47″، ويرتدي ثوباً طويلاً ويرفع سبابته إلى السماء، وهي علامة التوحيد.

وخلال مقابلة أُجرِيَت معه في نهاية عام 2016، تعهَّد عبدالله بألا يتوقف عن القتال أبداً وألا يغادر سوريا؛ إذ قال: «سأقاتل حتى تنال بلدي وشعبي حريتهما».

لكن هناك أسباب أخرى لهزيمة المعارضة السورية أمام بشار الأسد

ويمثل القتال الداخلي بين صفوف المعارضة السورية سبباً واحداً فقط بين قائمةٍ طويلة من العقبات التي تسبَّبت في خيبة أمل مَن تبقَّى منهم.

ففي شهر يناير/كانون الثاني من العام الجاري، استدعى قادة الجيش السوري الحر رائد وزياد للانضمام إلى «عملية غصن الزيتون«، وهو الهجوم العسكري الذي قادته تركيا ضد عفرين، البلدة السورية الحدودية التي يشكل غالبية سكانها الأكراد، وتسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية،

الحليف الوثيق للولايات المتحدة، في العمليات التي تشنّها ضد داعش في مناطق أخرى من سوريا.

وتولي الحكومة التركية الأولوية الكبرى للحرب ضد المعارضة الكردية داخل الحدود التركية وخارجها، وليس الحرب ضد الأسد أو داعش.

وعقب وقتٍ قصير من شنّ الهجوم على عفرين، وردت أنباء عن انتشار عمليات النهب على يد عناصر الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا.

وأكد الرجلان صحة هذه الأنباء، رغم أنَّهما أنكرا مشاركتهما شخصياً في هذه العمليات. إذ قال زياد: «ما قامت به جماعاتنا هناك كان خطأً. رأيتهم يسرقون ثياباً وسيارات وينهبون منازل. في هذه المرحلة من الحرب، شعرتُ وكأنَّني لستُ إلا قاتلاً مأجوراً. فنحن لم نكن نقاتل في عفرين من أجل ثورتنا».

ويقول رائد إنَّ استمرار التواجد التركي في سوريا لن يساعد المعارضة السورية كثيراً على المدى الطويل، موضحاً: «ساعدت تركيا (المعارضة) في عدة نواحٍ، لكن ليس في الضرورية منها. فهي لم تمنحنا الأسلحة التي نحتاجها لمحاربة الأسد، وهي لا تحاول كذلك محاربته. هي تستخدمنا فقط لمحاولة التخلص من الأكراد على الحدود. وحين تنتهي من تحقيق ذلك، ستتخلى عنَّا أيضاً».

ويعتبر رائد وزياد أنَّ نهاية الحرب وهزيمة المعارضة هي نتيجة حتمية؛ إذ يقدر رائد أنَّ 30% من رفاقه المقاتلين تركوا ببساطة أسلحتهم، وتوجه البعض منهم للبحث عن عمل في سوريا، حتى إنَّهم كانوا يعملون في أشغال يدوية أو مؤقتة متى أمكنهم ذلك حتى يستطيعوا النجاة. في حين سافر الكثيرون ممن لديهم القدرة المادية على ذلك إلى تركيا.

ويعد عبدالله، الذي كان قد تعهَّد سابقاً بالبقاء في سوريا للأبد، أحد هذه النماذج. إذ يقول: «كان هناك الكثير من الاقتتال الداخلي. إذ دمرت هيئة تحرير الشام جيش المجاهدين، وبعدها لم أرغب في الانضمام لجماعة أخرى، بالإضافة إلى أنَّ عائلتي كانت بحاجة لمساعدتي».

كانت عائلة عبدالله تعاني لكسب عيشها، بعد أنَّ كانت قبل الحرب تنتمي للطبقة المتوسطة العليا. وأوضح عبدالله: «كان عليّ أنَّ أكسب نقوداً لأجلهم؛ لذا قررت أنَّ الوقت قد حان للذهاب إلى تركيا».

عثر عبدالله على وظيفة للتسويق عبر الهاتف في إسطنبول. وتوضح صفحته على إنستغرام أنَّه مرّ بمرحلة تحول أخرى، إذ ظهر بقصة شعر قصيرة، مرتدياً قميص بولو، وبنطلوناً كاكي اللون، في صورة التُقطَت له أمام معالم أثرية في إسطنبول.

من جانبه، أعرب رائد عن شعوره بالندم على الكثير من القرارات التي اتخذها. فحين اندلعت الحرب كان عازباً، لكنَّه أصبح الآن متزوجاً ولديه ثلاثة أطفال. ويقول: «لم أكن لأنجب هؤلاء الأطفال لو كنتُ أعلم أنَّنا سننتهي إلى هذا الوضع في عام 2018. فقد كنا على يقين تام أنَّنا سننتصر في هذه الحرب. وأنَّ هؤلاء الأطفال سيكبرون في دولة يعمها السلام وتخلو من الأسد. كنا على خطأ، إذا استطعت الرجوع بالزمن إلى الوراء، كنتُ سأغادر سوريا عام 2015».

ويجاهد رائد لجمع ما يكفي من نقود للانتقال مع عائلته إلى تركيا. إذ يعتقد أنَّ تحقيق الأسد لانتصارٍ تام سيترتب عليه انتقامٌ وحشي ضد من حاربوه. وقال: «حتى إذا كانت هناك اتفاقية عفو، فستكون كلها كذبة، مثل أي اتفاق وقف هدنة وافق عليه النظام ثم خرقه على مدى سنوات (الحرب). الأسد كاذب، وسينتقم بكل طريقة ممكنة منَّا».

ويراود زياد، وهو متزوج حديثاً ولديه طفل الشعور ذاته؛ إذ يقول: «أرغب في البقاء، لكنَّني أشعر أنَّ الحرب انتهت. وأرغب في أنَّ تكون عائلتي آمنة».

أما بالنسبة للمدنيين في آخر ما تبقَّى من مناطق سيطرة المعارضة، يقول رائد، برغم ما يجده من صعوبة في الاعتراف بذلك، إنه يعتقد أنَّ معظمهم مستعد لقبول سوريا تحت حكم الأسد. وأوضح: «هؤلاء ليسوا مقاتلين. فقد عاشوا في جحيمٍ لسبع سنوات. وهم متعبون من هذه الحرب، ومن العيش مع القنابل والخوف، فهذه ليست بحياة».