أضحَك الملايين في أكثر من 300 عمل فنّي.. ما لا تعرفه عن سعيد صالح في هذا التقرير

5٬382

4 سنوات مرت على ذكرى وفاة سعيد صالح، في أغسطس/آب 2014. هذا الفنان المصري الذي قاد ثورته الخاصة على المسرح والتلفزيون، فترك أثراً عميقاً في الذاكرة الفنية العربية. استطاع أن يصيب بتعابيره الكوميدية مواضع ألم الشعب المصري دون تلوّن أو نفاق.

عاشرَ سعيد، المولود في 31 يوليو/تموز 1938، 3 أنظمة مختلفة، تغيَّرت فيها الأسماء والصفات وبقي الانقسام بشأن قيادتها السياسية بين قبضة من حديد أو سوط على أجساد المعارضين: عبد الناصر، السادات، مبارك.

شهد سعيد الثورة بمعناها السياسي، والتي ظل يدعو إليها في مسرحياته دون تلون، أو نفاق أو وقوع في ادعاءات كاذبة.

ناقد سياسي لاذع في قالب كوميدي بامتياز

ولعل أهم أعماله الناقدة مسرحية كعبلون سنة 1985، التي كان ممنوعاً حينها أن تصوَّر وتُعرض على التلفزيون؛ لما فيها من رسائل فذة.

فأغلب أعمال سعيد صالح على المسرح كانت سياسية، حتى وإن تخلَّلتها الكوميديا، لكنَّ سعيد نفسه لم يتغير وظلّ يدافع عمَّا يؤمن به، حتى لو ظن الغير أن لا فائدة من هذا الإيمان، وأنه يتوجب عليك السير مع التيار لا عكسه.

سعيد كان يسبح عكس التيار، ضد الظلم والقهر والاعتقال والفقر.

في أثناء عرض المسرحية، وقف سعيد صالح أمام عدد من التلاميذ يغني لهم أشعار أحمد فؤاد نجم على ألحانه شخصياً، فغنى «لما القلب يبقى صادق وابن ثورة»!

جِراح القلب داخل سعيد كانت كثيرة، لكنه كان يعمل على شفائها بالوقوف على خشبة المسرح. وبالغناء والتلحين عبّر عن رأيه وما يؤمن به رغم معارضة البعض، حتى وإن كان في ثوبٍ دراميٍّ كوميديّ.

لم يهتم، الأهم أن سعيد دائماً كان جامحاً في حياته وفنه.

فنان إنسان وموهبة لم يروضها أحد

فنانو الكوميديا في مصر والوطن العربي كثر، وقليل منهم من يترك بصمة واضحة تبقى بعده لعشرات السنين، وسعيد صالح أحد هؤلاء.

وبالتوازي فإن كتَّاب الكوميديا ومؤرخيها ليسوا بالعدد القليل، وشيخ الساخرين في الكتابة والصحافة محمود السعدني خصص فصلاً في كتابه «المضحكون» للمضحكين، الذين كانوا حينها جدداً و«مجرد عيال»، على رأسهم سعيد صالح وعادل إمام.

يقول السعدني: «هذا هو آخر فوج من المضحكين، ولا نستطيع أن نتكهَّن بالمستقبل لهم؛ لأن المستقبل بالنسبة لهم ما زال في علم الغيب، وقد تأتي الرياح بما يشتهي المضحكون، وقد تأتي الرياح بما لا يشتهي المضحكون، المضحكون الجدد هم شلة العيال».

ويقول السعدني عن سعيد صالح: «كان موهوباً متشرداً هارباً من الدراسة، شديد الضيق بها، هائماً على وجهه يبحث عن نفسه، ولا شك في أنه وجد نفسه فجأة بمسرح التليفزيون». وعن عادل إمام، قال: «لا شك في أن عادل إمام هو أبرزهم وأقدرهم وأشهرهم، هو شديد الانتشار، يحتل في السينما منصة عالية».

السينما قيّدته والمسرح متنفّسه للحرية

كان يشعر بالضيق إذا عمل في السينما، عكس إمام، فهي منصته الأولى والأهم. فوجهة  سعيد صالح وقِبلته المسرح، لا غير، وهو نفسه يؤكِّد كلام صلاح السعدني في حوار له مع التلفزيون اللبناني، بدا فيه سعيد الولد المشاغب، خفيف الدم، من لا تتوقع ما سوف يقوله لك فيما بعد، ولا حتى هو يستطيع أن يتكهن بما سوف يقوله.

في لقائه هذا، قال سعيد: «أنا وعادل لو مكنَّاش مثِّلنا، كان زمانا دلوقتي قاعدين في السجن. سنة 62 وجدت ضالتي في مسرح التلفزيون، وكنت شديد التركيز على أن أكون ممثلاً مسرحياً أولاً وأخيراً، المسرح حياة وجزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، حينها كنت الأول على دفعتي في المسرح». ومن بعدها انطلق سعيد في المسرح جامحاً، لا يستطيع أحد أن يجاريه أو يوقفه.

كلمة «الجموح» في اللغة العربية معناها «الاندفاع»، يعني جملة «حصان جامح» تعني «يندفع ويستعصى على راكبه»، سعيد كان فناناً جامحاً، موهبة مندفعة تستعصي على أي ضبط أو توجيه، ملك نفسها ولا تقبل أن يتم تعديلها وفقاً لمجريات أحداث، أو لأهداف سياسية معينة.

الفرق بين عادل إمام وسعيد صالح يكمن في الجموح والانضباط، سعيد شخصية جامحة في الفن والحياة، وعادل شخص منضبط يقبل التوجيه؛ لذا كان عادل أكثر نجاحاً من سعيد، لكن سعيد صالح كان أكثر موهبة.

غنى يوماً لحبيبته: «كل يوم بحبك بتزيدي الممنوعات!»

كانت مسرحية «كعبلون» تزداد ضجّتها كل يوم، والمسرح يمتلئ بالحضور، في أحد المشاهد صرخ حينها سعيد صالح على المسرح قائلاً:

«بس، خوتونا ممنوعات، الممنوعات اللي بتتفصَّل على الغلابة بس، يضربوك في السجن يقولك ممنوع الصراخ، يسكنوك في أوضة ربع متر يقولك ممنوع تبص لفوق، تموت من الزحمة يقولك ممنوع التجمهر، نروح فين؟ كفاية ممنوعات بقى، كفاية أنت مبتتعبش!

إحنا يا مواطن يا ملطشة بنمنع أي شيء ضد الصالح العام، تقدر تقولي أنت ممنوع من إيه مِش ضد الصالح العام؟

أقولك ولا تزعلش؟ قول!».

ليغني بعدها سعيد صالح الممنوعات، أشعار نجم، وغناء الشيخ إمام. وهنا ثورية الفن؛ إذ بدأ سعيد يعدد هذه الممنوعات، التي ما زالت حتى الآن: ممنوع من السفر، ممنوع من الغنا، ممنوع من الكلام، ممنوع من الاشتياق، ممنوع من الاستياء، إلى آخر الأغنية.

صَفَّق الجمهور، كأنهم في حاجة للكلام مرَّة أخرى، في حاجة للاستياء من هذا الوضع، ووضع حد للحزن والكآبة المرسومة على الوجوه.

واختلافه مع عادل إمام اختلاف طبقات

عادل إمام لا يستطيع أن يتحدث عن الممنوعات، مثلما فعل سعيد، فعادل هو ابن الفئة العليا، أو هكذا أصبح، لا يجلس إلَّا مع علية القوم، ولا يعرف ماذا يحدث في أسفل الهرم الطبقي، لكن سعيد يجلس مع الناس العادية، المهمشين، على القهوة، حيث المعرض البشري للناس كما قال أسامة أنور عكاشة ذات مرَّة.

سعيد يعرف أحلام هؤلاء الناس البسطاء وهمومهم، وكيف أن حلم أحدهم لا يتعدى غرفة له ولأسرته، أو وظيفة يحيى منها. ربما عادل يعلم عن هؤلاء، وسمع لأحدهم ذات مرَّة، لكنه لم يسع لعرض أحلامهم وهمومهم بصدق كما فعل سعيد.

ثم كان السجن لأول مرَّة.. «وقعتك سوده يا سعيد»

في 27 ديسمبر/كانون الأول سنة 1981، حُبس سعيد صالح 17 يوماً في سجن الحضرة بالإسكندرية؛ بسبب مسرحية «لعبة اسمها الفلوس«، كانت من إخراج سمير العصفوري، وتأليف ناجي جورج. حينها لم يكن مبارك قد أكمل في حكمه أكثر من شهر، المحاكمة بدأت في فبراير/شباط 1982، وهذا طبقاً لتقرير القضية الذي نشره رشاد كامل في كتابه «نجوم وراء القضبان».

لم يكن سعيد صالح يعرف عن قضيته شيئاً، ولا لماذا هو في السجن، وحين وقف أمام القاضي وسُئل: «هل تعرف شيئاً عن قضيتك؟»، قال: «لا»، وطلب أن يقرأ القضية بنفسه.

بدأ في قراءة القضية ووجد التهمة «الخروج على النص، والتفوّه بعبارات منافية للآداب مثل قوله: ينعل أبوك». انتهى من القراءة، وبدأ يشرح للقاضي ما الفرق بين النص والخروج على النص، والإضافة التي يضيفها الممثل سواء المصري أو العالمي، والفرق بين دور يمثله عبد الله غيث ودور يمثله عادل إمام: «عادل يضحكني قوي وعبد الله غيث يبكيني قوي»، وبعد انتهاء مرافعة سعيد قرأ عليه القاضي نص العقوبة على تلك الجريمة.

تأجلت الجلسة وغادر سعيد مصر للخارج؛ بسبب انشغاله في التصوير، وعلم هناك من الجرائد أنه مطلوب ضبطه وإحضاره، وعاد إلى الإسكندرية لحضور الجلسة ولم يكن هناك شاهد في القضية إلَّا مفتش الرقابة، وكانت المفاجأة أن القاضي أمر بحبسه 7 أيام.

رددت الصحف بعدها أنه حُبس بسبب قوله: «أمي اتجوزت 3 مرات؛ الأول: وكّلنا المش، والتاني علّمنا الغش، والتالت لا بيهش ولا بينشّ»، في إشارة منه إلى رؤساء مصر الثلاثة حينها، عبد الناصر، والسادات، ومبارك، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً، طبقاً لما قاله سعيد صالح في لقاءات كثيرة، وطبقاً لتقرير القضية والمكتوب فيه، لم يكن الهدف سياسياً تماماً.

صحيح أن سعيد قال الجملة، وكان يعلم ما المقصود منها، لكن ما عُرف بعد ذلك في لقاء مع رشاد كامل، أن السبب الحقيقي والحظ العاثر أنه خلال المسرحية سخر سعيد من شخص نائم، ولم يكن يتصور سعيد حينها أن يكون هذا الشخص الذي سخر منه هو القاضي محمد بدر، الذي سوف يقف أمامه سعيد فيما بعد بتهمة الخروج عن النص.

وعندما وقف سعيد أمام ذلك القاضي، قال بسخرية شديدة: «وقعتك سوده يا سعيد».

محاولات عادل إمام ويونس شلبي لإخراجه تبوء بالفشل

من المفارقات التي حدثت في هذه القضية والتي أصبحت قضية رأي عام، أن ذهب عادل إمام لبيت القاضي ومعه 3 محامين ليطلبوا منه بحسن نية، خروج سعيد صالح، حتى لو من أجل المسرح، لكن يفاجأ عادل إمام بالقاضي يطرده من بيته هو والمحامين، ليذهب في اليوم التالي ويطلب الكلمة ويعتذر للقاضي عما بدر منه.

ودافع عادل إمام عن صديقه ورفيق عمره، واصفاً محاكمته بأنها محاكمة للفكر المصري، وأذهل الحضور بيونس شلبي وحين يطلب الحديث، وكانت أول مرَّة يتاح للجمهور رؤية يونس يتحدث بعيداً عن شخصية «منصور» في مدرسة المشاغبين، قائلاً: «سعيد صالح فنان مبدع يستلهم فنه من خلال حواره مع الجمهور ولا يجوز تقييد موهبته؛ بل يجب أن يعيش الدور بكامل حريته ولا يحاسَب على لفظ خارج عن النص وإلا ما اعتبر هذا فناً».

وفي المرَّة الثانية.. «أنت مِش عارف أنا مين؟ أنا سعيد صالح بكالوريوس زراعة»

حوار الكاتب والصحفي رشاد كامل في كتابه «نجوم وراء القضبان» مع سعيد صالح كان بعد هذه الواقعة بـ13 سنة. لم يتغير سعيد طوال هذه الفترة، بقي مشاغباً كما عهده الجميع.

حُبس بعدها سنة 1991 بتهمة تعاطي المخدرات، والتي كانت تصفية سياسية أو «قرصة ودن» كما يقال، فقبل السجن للمرَّة الثانية لم يندم سعيد على ما قاله ولا على جرأته، وعفويته التلقائية، ولا بعد سجنه للمرَّة الثانية.

وينقل الكاتب والسيناريست بلال فضل عن أحد شهود العيان على واقعة حبس سعيد، أنه قال حينها للضابط بعفوية وتلقائية، ومشاغبة: «أنت مِش عارف أنا مين؟ أنا سعيد صالح بكالوريوس زراعة. وهي جملة لن تخرج إلَّا من شخص مثل سعيد صالح، لا تفارقه الكوميديا أينما حل». فترة السجن، سواء الأولى أو الثانية، أذت سعيد صالح كثيراً، خصوصاً على المستوى النفسي، لكن سعيد كان يتحدث عنها دائماً بإيجابية شديدة، وأنها أتاحت له الكثير من الوقت كي يقرأ ويلحن، فقد اكتشف نفسه في الموسيقى والغنا، وبدأ يلحن أشعار أحمد فؤاد نجم، وفؤاد حداد مثل أغنية «بلبل اتكسر».

كان وما زال فتى المسرح الأول وملك الإيفيهات

منذ أن ظهر سعيد صالح، أصبح لقبه «فتى المسرح الأول» دون منازع، فطوال حياته مثَّل في 302 عمل ما بين مسرح وسينما وتلفزيون.

أشهرها في المسرح مدرسة المشاغبين، التي كانت بداية لثورة المسرح الكوميدي، وعُرف سعيد فيما بعد بـ»مرسي ابن المعلم الزناتي». أصبحت إيفيهاته تردَّد حتى يومنا هذا، رغم أن المسرحية بدأ عرضها في بداية سنة 1973.

وبين هذه الخلطة العجيبة من المشاغبين على المسرح، تجد سعيد صالح يخرج بإيفيهات ما زالت تتردد حتى اليوم مثل: «مرسي ابن المعلم الزناتي اتهزم يا مينز، تعرف إيه عن المنطق؛ أعرف إن لما واحد يضرب واحد على دماغه يقع ميحطش منطق، سوف تنضموا الإذاعة المحلية لإذاعة بي بي سي، مارشات عسكرية وقرآن، إييييه أسقط؟».

بعد «مدرسة المشاغبين» وما أحدثته من ضجة، ومهاجمة وتأييد في الوقت نفسه، جاءت مسرحية العيال كبرت، حيث اتخذ فيها سعيد صالح دور الزعيم والولد التلفان، ويعود مرَّة ثانية لترك بصمة أكبر على المسرح الكوميدي، فبجانب إيفيهات «مدرسة المشاغبين» تنطلق إيفيهات «العيال كبرت».

مثال: «ثقافتي ألمانية، يييس جيف مي هامبورجر، تذكرتين هما اتنين، فتاحه مِش دكتورة يعني. أذاكر وانجح الاتنين؟».

وأعماله الفنية شاهدة على حياة حافلة خلدها الفن

من الأفلام المهمة لسعيد صالح في السينما: سلام يا صاحبي، والمشبوه، وبنات إبليس، وأرزاق يا دنيا، ويا عزيزي كلنا لصوص، ومولد يا دنيا، الضائعة، ونصف أرنب، ودرب البهلوان، والخادمة، وتوت توت، والسادة المرتشون، وعزبة الصفيح، والشيطان يعظ.

وفي المسرح: هاللو شلبي، ومدرسة المشاغبين، والعيال كبرت، ولعبة اسمها الفلوس، وكعبلون، واخطف واجرى، والبعبع، والشحاتين، وإزاز في إزاز، وتحت الصفر، واللص الشريف.

من بداية 2001 لـ2005 قدم سعيد صالح 3 مسرحيات إلى أن ساءت حالته الصحية، وهي: «حلو وكداب»، و»الليبرو»، و»قاعدين ليه».

توفي سعيد صالح في أغسطس/آب 2014، بعد حياة حافلة بالتمثيل والغناء والتلحين والضحكات والبكاء على المسرح وخلف الكواليس.