«ظاهرة روابي» .. فردوس فلسطين الموجود!

166

هند دويكات – هو الفضول الذي دفعني إلى زيارة المدينة، وما إن مررنا بالمحل الأول الذي يعرض «براند» فرنسية، وواجهنا المحل الثاني الذي يعرض «براند» أميركية، وقبل أن أصل إلى المحل «التركي» كنت بدأت أتشبث بحقيبة يدي وكأنها ستفر هاربة، ربما هي حركة لا إرادية دفعني إليها قلقي من وقوع حقيبتي وانكشاف قيمة ما فيها من مال، الذي يصلح فقط لشراء «براند» سودانية من أجود أنواع الفستق، أو يصلح للقبض عليّ والتحقيق معي بتهمة «إيذاء الذوق العام» في روابي. لا بدّ أن يكون الوصف ناقصاً مهما تَبحّر، فمدينة روابي «كاملة الأوصاف»، فيها كل ما يتمناهُ مواطنٌ أميركي «درجة أولى» يعيش في لوس أنجلوس، فما بالك بأمنيات مواطن عربي فلسطيني متوسط دخله لا يتعدى ثمن جولة لعب وتسوق في سوق روابي المفتوح؟! وإذا تجاوزنا أسئلةً لا طائل منها مثل: مَن الذي ساعد على إنشاء هذه المدينة المترفة، ومَن الذي يعيش فيها ويتحمل كل نفقاتها الخيالية، ومن أين لهم بالتسهيلات الهائلة في أرض محتلة (المنشئون منهم والساكنون!) يظل يراودك بشأنها تساؤل لا بدّ منه: ما سبب إنشاء مدينة كهذه؟ وإلى أين تمضي بنا؟

– مدينة روابي أقيمت على أراضٍ خالية، أراضٍ لا تنتمي إلى مدينة بعينها، فهي تقع في بقعة متوسطة بين القدس ونابلس ورام الله، تقترب من إحداها بقدر ما تبتعد عن الأخرى، وأراض خالية لا تعني فقط أنها لم تكن تحوي بيوتاً أو منشآت، بل إنها لا يمكن أن تنتمي بحال من الأحوال إلى أي «تاريخ مكاني» (مدينة رام الله تم «نفخها» سابقاً لتصبح المدينة المثالية، لكنها لم تؤد المهمة على الوجه المطلوب لأنها تظل صاحبة تاريخ مهما ابتعدت عنه، وهذا ما لا ينطبق على روابي)، وهي بالتالي نموذج معماري-استعماري «حضاري»، لا تاريخ له، أوجد نفسه بنفسه، له قوانينه الخاصة المنبثقة من كيانه الجديد، وغير المستمدة من فئة أو طبقة عبر الأمكنة أو عبر الزمن (القاطنون في هذا المكان جاؤوا من عدة بلدان، كل يحمل موروثاً حضارياً خاصاً، غير أنه مضطر لإذابته مع قانون المكان الجديد الذي اختاره!)، وهنا لا يهم ما يمليه المكان الجديد من قوانين طالما أنه يحقق المدى الأقصى من «متعة الحياة»، وعليه فإن قانون هذا المكان هو تلك المتعة فقط، ونجاح النموذج (روابي) يعني بالضرورة نجاحاً للفكرة الأم (الفردوس المادي العالمي).

– السيّاح الذين يزورون روابي عددهم يفوق عدد الذين يزورون الأماكن الأثرية والدينية في بيت لحم وأريحا والقدس، والذين يندهشون منهم لـ «روعة» المكان يفوق عدد أولئك الأجانب المتضامنين مع الفلسطينيين على حواجز الاحتلال، وهؤلاء هم من يصفون روابي بـ «مدينة المستقبل»، يصفونها لنا ولمن لم يزرها منهم، يصفون جنة فلسطينية حقيقية يعيش فيها فلسطينيون «حقيقيون»، فلسطينيون أثرياء منعمون: لديهم شقة أو فيلا كبيرة وسيارة ذكية وفيزا للتسوق وطفلان وقطّة مدللة، فلسطينيون لا يشبهون أولئك الذين تظهر صورهم على التلفزيون مع خبر يفيد بمقتل العشرات منهم، ومعاناة المئات تحت قصفٍ ما في ظل عدم وجود كهرباء أو مأوى «حقيقي»، وهنا تُعقَد المقارنة العقلية البسيطة عند المواطن العالمي: ما الذي يجبر هؤلاء الحمقى على الموت؟! ليش ما بيعملوا متل اللي بروابي؟!

– المجتمع الفلسطيني لم يكن يعاني من الطبقية سابقاً، ورغم وجود أثرياء فيه إلا أن فكرة إيجاد «حاضنة» خاصة لهم لم تكن حاضرة، وفكرة روابي جعلت الأمر منوطاً بإظهار هؤلاء الأثرياء أنفسهم على شكل طبقة لها مظهرها ومكانها الخاص، وجعلت ممن دونهم يتخذون إمّا موقف الضعيف المندهش أو موقف المُلاحِق لركب الطبقة العليا بكل ما أوتي من وسائل «مستحيلة»، فكيف يكون شكل هذه الوسائل في أرض محتلة أساساً؟ وعلى من ستتّكل، وضد من ستتوجه؟! ما سبق كله لا يعني أن التصوف والزهد هما الطريق البديل، ولا يذم أو يهاجم الراغبين في اكتشاف متع الحياة، ولكن عندما يكون الاستمتاع بكل ما يؤدي إليه من استهلاك مادي هو الحياة الكاملة، وأن يصبح النموذج العالمي/الأميركي المادي الاستهلاكي، الاستعماري أساساً، هو النموذج المقتدى به (أميركا قامت في أساسها على استعمار أرض لتكون دولة، ومن ثم استعمارات متتالية وحروب كثيرة للحفاظ على مستوى عال من «خدمات الجنة» التي أوجدتها للمواطن الأميركي فيها!)، ولعل النتائج في مثل حالة «روابي» ستكون كارثية على مستوى الإنسان والأرض، (وهذا ما جعلني أسميها بالظاهرة لأنها لا يمكن أن تقف عند تمثيل واحد أو مدينة واحدة) أو الأصح ما تبقى من قضية الإنسان ومن الأرض المحتلة (ولا ننسى أن الكيان الصهيوني المحتل قائم في أساسه على فكرة النموذج الأميركي إيّاه!). في مشهد كوميدي متداول من فيلم مصري، أحدهم «يعزم» على آخر أن يشاركه في تدخين الحشيش، لكن الآخر يرفض قائلاً: «ماليش فيه والله»، فيعلل «صاحب العزيمة» موقفه قائلاً: «ومين كان له فيه يا عم؟! اشرب».. نعم ليست العبرة فيمَن يبدأ أو متى يبدأ، لأنه ما إن تدور دائرة «التورّط» حتى يصبح الجميع، المخضرم والمبتدئ «حشاشين»!.