الموجات الإذاعية.. كيف أصبحت الوسيلة الوحيدة التي تعرف بها الأسيرات الفلسطينيات أخبار أطفالهن؟

564

أحصل على آخر الأخبار مباشرة على جهازك. إشترك الآن

سلام أبو شرار – في طريقي إلى البيت، استمعتُ إلى مكالمة تحمل صوتاً دامعاً لرجل في برنامج على إذاعة محلّيّة. كان يحكي بمرارة ومشقة عظيمة عن الأمراض المختلفة التي تنخر جسدَه، ويسرد قائمة بكلّ العمليّات والفحوصات والمضاعَفات والأدوية، دون إغفال أيّ من التفاصيل الدقيقة. من الواضح أنّ معاناته تمثّل عبئاً ثقيلاً.

كان المتصل هو والد أحد الأسرى من قطاع غزة، والذي يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة. رغم صحته المعتلّة، لم يستطع الرجل زيارة ابنه بسبب عدم إصدار قوات الاحتلال الإسرائيليّ تصريحاتٍ للأقارب الراغبين في زيارة أبنائهم في السجون. من الواضح أنّه من المؤلم للمتصل أن يذكر كل تلك التفاصيل عن حالته الصحّيّة عبر الإذاعة العامة، لكنّها الطريقة الوحيدة التي يُمكنه من خلالها إخبار ابنه عن أحواله وصحّته.

بينما كنت أستمع إلى المكالمة، تذكّرتُ تلك الأيام التي قضيتها أسيرةً في زنازين الاحتلال الإسرائيليّ منذ عامين. وتبادر إلى ذهني شخص واحد على وجه التحديد: فقد تذكرت وجه نسرين أبو كامل الداكن، الهادئ، والغارق في الحزن والأسى.

إلتقاط إشارة البث الإذاعي

خلال أسابيع قليلة ستكون نسرين قد أمضت ثلاثة أعوام في السجن، ويتبقّى لها ثلاثة أعوام أخرى قبل أن تتمكن من العودة إلى عائلتها في غزة.

أُلقي القبض على نسرين، وهي أمّ لسبعة أطفال وتقيم في غزة، على معبر إيريز (بيت حانون) الواقع في أقصى شمال قطاع غزة، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، وحُكِم عليها بالسجن لمدة 6 أعوام. وقد مُنِع أفراد عائلتها من زيارتها أو التواصل معها، بينما يعيشون هم في سجنٍ أكبر: ألا وهو غزّة.

تحاوِل نسرين، كلَّ مساء، التقاط إشارة إذاعة صوت الأسرى، التي تبثّ برنامجاً ترسل من خلاله عائلات الأسرى رسائلَهم إلى أقاربهم في السجون. فهم يتّصلون بالبرنامج ويسرِدون آخر مستجدّات حياتهم، فيتوفّر بذلك للكثير من الأسرى الرابط الوحيد المتاح مع أهلهم وذَويهم.

لا يمكن التقاط البث الإذاعي إلا في الأيام الصافية. وفي المناطق الساحلية -مثل حيفا ويافا، حيث يوجد سجنان للنساء- لا تساعد الأحوال الجويّة غالباً على التقاط إشارة واضحة. إلّا أنّ نسرين تحاول ضبط موجات الراديو طوال أيّام السنة، سواء كانت ممطرة ومشرقة، في شوقٍ إلى سماع صوت أهلها. وحين تسمع صوتَ زوجِها يتحدّث، تقوم الأسيرات الأخريات بتهنئتِها، وتتسلّل علامات الفرح الخجولة إلى وجهها المُتعَب.

ستواصل نسرين -على مدار الأعوام الثلاث المقبلة، مثلما كان الحال في السنوات الثلاثة الماضية- الاستماع إلى أخبار أطفالها السبعة وزوجها من الإذاعة التي تستطيع التقاطَ إشارتها فقط في الأحوال الجويّة الصافية. لا تسمح قوّات الاحتلال الإسرائيليّ للأسيرات الفلسطينيّات بالحديث إلى عائلاتهنّ عبر الهاتف، وتفرض قيوداً صارمة على إرسال واستلام الخطابات المكتوبة.

سحق وقمع الحق في الخصوصية

إذا أرادت إحدى الأسيرات إرسال رسالة إلى عائلتها من السجن، فيجب أوّلاً أن تفحصها إدارة السجن. وهو ما ينطبق على الرسائل الواردة كذلك؛ دون أدنى اعتبار للحق الإنسانيّ في الخصوصية. ويستغرق وصول الرسالة إلى مستلِمها ما يزيد على شهر؛ وحتى في هذه الحالة، يجب أن توافق استخبارات السجن على محتوى الرسائل، وألا  تعتبرها تهديداً لأمن الدولة.

لا تزال صورة نسرين وهي تتحدّث بشغفٍ وشوقٍ عن الأخبار التي استمعت إليها عبر الإذاعة من زوجها وأطفالها، راسخة في ذاكرتي. أُشفِق على الأم التي تضطر إلى معرفة كيف يكبر أطفالها من خلال ما تلحظه من تغييرات في أصواتهم وهي تستمع إليهم في الإذاعة، أو من خلال بعض الصور التي تسمح لها إدارة السجن بتلقّيها كل شهرين أو ثلاثة أشهر مريرة.

كم يبدو قاسياً أنّ نسرين لم تستطع احتضان أطفالها ولو لمرّة واحدة منذ اعتقالها. سيكبر أطفالها، وهم ممنوعون من زيارتها في السجن، ويصلوا إلى سنّ السادسة في غيابها. ولن تراهم حتّى إطلاق سراحها في عام 2021.

تعاني نسرين أيضاً من مشاكل صحّية لا حصر لها، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم وفرط شحميات الدم hyperlipidemia. بالإضافة إلى ذلك، فقد أصيبت يدها مؤخّراً بكسور، وتضاعفت آلام الكسور بسبب إهمال إدارة السجن في توفير الرعاية الطبّيّة لها. وقد نُقلت منذ ذلك الحين إلى سجن هشارون من أجل توفير العلاج الطبيعيّ اللازم لتستعيد قدرتها على استخدام يدها بصورة طبيعيّة.

كما حُكم على ابتسام أحمد، وهي إحدى الأسيرات الفلسطينيّات من قطاع غزّة، التي اعتُقلِت هي الأخرى على معبر إيريز (بيت حانون)، وتبلغ من العمر 60 عاماً، بالسجن لمدّة عامَين. ولا يُسمَح لأفراد أسرتها بزيارتها، ولذا تظلّ مع نسرين تنتظر الأحوال الجويّة الصافية للاستماع إلى أصواتهم.

زيارات مُراقَبة بدقة وصرامة

يُمكن لعائلات الأسرى أن تحصل على تصريح بالزيارة مرّة كل أسبوعين، وذلك بموجب قوانين ”مصلحة السجون الإسرائيلية“، وبالتعاون مع منظمة الصليب الأحمر، وبموافقة وسماح أجهزة المخابرات. تستمر الزيارة لمدّة 45 دقيقة، وخلالها تلتقي العائلات في غرفة كبيرة منقسمة إلى ممرّين يفصلهما حاجز زجاجيّ شفّاف عازل للصوت؛ ولكنّ يمكنهم الحديث باستخدام أجهزة استقبال تليفونيّة تُراقِبها إدارة السجن.

ثمة إجراءات صارمة تنظم عملية إصدار تصاريح الزيارة للأسرى الذين يُعتبرون أنهم يشكلون تهديداً أمنيّاً. لقد عِشتُ لمدة 6 أشهر في نفس الغرفة رفقة امرأتين كان مسموحاً لعائلتَيهما بزيارتيهما مرّة واحدة كلّ ثلاثة أشهر. غالباً ما يلقى الأسرى هذا المصير دون سببٍ واضح إلّا ذلك الزعم بأنهم مصدر تهديد لأمن الدولة.

كانت إحدى هاتين المرأتين طالبة جامعيّة من بيت لحم تدرس اللغة الإنكليزية، تُدعَى ميسون موسى؛ وهي شابة لطيفة وهادئة تحبّ القطط. أخبرتني أنّها كانت مسؤولة عن رعاية 12 قطّة في منزلها، وأطلَعَتني على صور وأخبرتني عن كلٍّ منها. كان الحب واضحاً في عينَيها أثناء حديثها بهدوء وحنان؛ وكانت تعتزّ كثيراً بتلك الصور وتعتبرها كنزها.

ميسون، التي حُكِم عليها بالسجن لمدة 15 سنة، هي واحدة من الكثير من الأسيرات اللواتي لا يسمح لعائلاتهنّ بزيارتهنّ إلا مرّة واحدة كلّ ثلاثة أشهر. وأحياناً يكون هناك تأخير في إصدار تصاريح الزيارة، ما يُطيل مدّة الانتظار بين كل زيارة وأخرى. والنتيجة هي أنّ ميسون، خلال فترة اعتقالها، لن يكون مسموحاً لها برؤية أمّها إلا 4 مرّات في السنة، ومن وراء حاجز زجاجيّ.

إجراءات تنظيمية قمعيّة

تحتجز إسرائيل حالياً عشرات الأسيرات الفلسطينيّات في سجونها. وتعيش الأسيرات ظروفاً شاقّة وقاسية للغاية؛ فبعضهنّ تعرضن لإطلاق النار بالرصاص الحيّ أثناء اعتقالهنّ. وهناك أسيرة تعاني من حروق بالغة أثّرت على 60% من جسدها، وهناك أخرى حامل.

تُجبر الأمّهات على العيش بعيداً عن أطفالهنّ. في حين يسمح للأسيرات اللواتي لديهن أطفال دون سن السادسة باحتضان أطفالهن الصغار لمدّة 10 دقائق شهريّاً.

يمكن للعائلات إحضار الصور إلى السجن مرّة كلّ شهرين، وبحدّ أقصى خمس صور في المرّة الواحدة. وبالإضافة إلى القمع الوحشيّ الذي يتعرضن إليه، يجب على السجينات خَوض معارك طويلة للحصول على حقّهن في التقاط صورة مرّة واحدة في العام، لتحصل عليها عائلاتهن أثناء الزيارة.

كانت قوانين التصوير أشدّ قمعاً حين كنتُ في السجن. إذ لم يسبق لي أن رأيت أيّ صور شخصيّة تُعطَى لعائلات الأسرى طوال الشهور العشرة التي قضيتُها في الأسر. لم يُصبح ذلك ممكناً ولم تقدم السلطات الإسرائيليّة بعض التنازلات إلا بعد أن مارَس الأسرى ضغوطاً كبيرة.

تلك الشخصيات التي أوردتُها ليست إلا محاولة للتعبير عن شيء يصعُب شرحُه. فالواقع هو أنّ الأسيرات الفلسطينيّات يُحكم عليهن، مراراً وتكراراً، بعقوبات مطوّلة، مع عرقلة إمكانية وصول عائلاتهنّ إليهنّ – عن طريق الزيارات التي تُمثل بالنسبة للكثيرات منهن شريان حياة.

أحصل على آخر الأخبار مباشرة على جهازك. إشترك الآن

error: Content is protected !!