“عبدالله عرباس” .. من بائع عربة متجوّلة إلى صاحب موقع إلكتروني مشهور

3٬791
شمس ابو الخير – “غادرت هذه الضفة ولم ألوّح لها بيدي مودعاً عمّا فات من أيام وسنوات قاحلة؛ لأنتقل إلى الضفة الأخرى، ضفة العطاء الحقيقي والإنجاز المحسوس الملموس بزواياه وتفاصيله”.

صمت الشاب الثلاثيني عبدالله عرباس ذو العينين العسليتين لحظات، وتابع روايته بعد أن تنفس الصعداء وكأنه يُزيح عبئاً ثقيلاً عن كاهله، قائلاً: “أنهيت دراستي الثانوية العامة (التوجيهي) عام 2003، والتحقت بجامعة القدس المفتوحة من العام ذاته؛ إلا أنني لم أتمكن من مواصلة دراستي في الجامعة؛ بسبب الأوضاع السياسية الصعبة وعدم الأمان والأستقرار في البلاد حيث كانت إنتفاضة الأقصى في أقوى مراحلها .

 

 

“عرباس” (32) عاماً من مدينة قلقيلية، أب لثلاثة أطفال، كان مولعاً منذ صغره بعالم الحاسوب والسوشال ميديا، وكان يكثر الحديث مع أهله وأصدقائه عن هذا العالم الافتراضي وكيف سيعمل على تأسيس موقعاً خاصاً به.

ولكن هذه المصيبة التي نزلت عليه وزلزلت أركانه، آلمته بشدّة وحفرت أخاديد عميقة من اليأس والإحباط في روحه.
وأدرك الآن، أنّ عليه التوجّه إلى سوق العمل الذي لا مفر منه، وبدأت لعبة الخيارات تشتعل في ذهنه المنهك، أي عملٍ سأتوجه؟؟ ولطبيعته الحسّاسة والمُرهفة، اختار مهنة الحلاقة له، لما تتصف من فنٍ وذوق.

ففَتَحَ “عرباس” صالوناً خاصاً به؛ لكن المسألة لم تسِرْ كما اشتهى ورغب، فاضطر إلى إغلاقه والابتعاد عن هذه المهنة نهائياً.
ومع هذا الاحباط الجديد، بدأ يُدرك أنّ خيارات العمل ليست سهلة، وأنّ الحياة تسير وفق منظومة معقدة، على قاعدة أنّ الرياح لا تجري بما تشتهي السفن.

ولم يستسلم؛ بل التحق بوظيفة في جهاز الأمني الوطني الفلسطيني؛ لكنّ ظروف الحياة الصعبة والوضع المعيشي السيء جعله يبحث عن عملٍ إضافي خلال فترة إجازته الإسبوعية؛ إذ توجّه للعمل في مشتلٍ زراعي؛ لكن هذا المجال سبب له الآلام والأوجاع الصحية، كما حرمه من رؤية أطفاله وغيابه عنهم وعن زوجته.

وبعد جولةٍ لم تُسمن إلا بوجعٍ إضافي، اشترى عربة متنقلة (بسطة) لبيع المشروبات الساخنة والباردة بالإضافة إلى الهريسة؛ وذلك من أجل تحسين وضعه الاقتصادي، كان سعيداً جداً عندما قرر العمل في هذا المجال؛ إذ كانت علامات التفاؤل على وجهه؛ ما جعله يكتب عليها: (مصيرها تكبر وتصير كوفي شوب)، والتي لفتت نظر الكثير ونالت إعجابهم؛ ما دفعه لتصويرها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتصبح حكاية لحظتها.

 

وإصرار “عرباس” لم يتوقف؛ إذ قال: “انضممت إلى موقع رام الله مكس على سوشال ميديا كمحرر للصفحة، فاكتسبت عن طريقها خبراتٍ كثيرة”، وبيومٍ من الايام، قام بتحميل خبرٍ يخص مدينة قلقيلية، فتفاجأ بأنّ هناك شخص عراقيّ يسأله: ماذا تعني قلقيلية؟

ومن هذه اللحظة؟ بدأ طريقه نحو تحقيق حلمه؛ إذ أنشأ صفحة على السوشال ميديا تحت عنوان (قلقيلية مكس – Qalqilia Mix) لتعريف المجتمع بمدينته قلقيلية، وشاركه طاقم من المحررين ذو الخبرة الجيدة، وخلال فترةٍ قصيرةٍ جداً تكللت الصفحة بالنجاح.

وشكّل عام 2018 نقلة نوعية في حياة “عرباس”؛ إذ تواصل مع صديقه الإعلامي مجدي طه للبحث عن طرق جديدة لترويج الإعلانات؛ ما دفعه إلى تصميم موقع أسماه “فاميكسا“، وهو موقع إخباري إعلاني جديد، وأصبح هذا الموقع أقوى منصّة إعلانية في محافظة قلقيلية.

 

 

ولم يتوقف نجاحه هنا، ففي عام 2018 حصل على عرضٍ من باهر خروب مدير مؤسسة إنجاز فلسطين في قلقيلية لتدريب الطلاب على مهارات استخدام برنامج جوجل في جامعة القدس المقتوحة ومدارس المحافظة ؛ ما رفع من معنوياته وزادته ثقة بنفسه وملأته الفرحة والسعادة.

 

وهنا كانت المفاجأة؛ لأنّ “عرباس” لم يتوقع عودته إلى الجامعة التي لم يستطع الاستمرار فيها كطالب؛ وإنما عاد إليها كأفضل مُدربٍ للسوشال ميديا.

وفي ظلّ الصعوبات التي واجهته في حياته، وما أحسّ به من حزنٍ وألمٍ وتعب؛ إلا أنه لم ييأس من تحقيق حلمه، واستمر حتى نال ما تمنّاه.

وببسمةٍ أوحت بتحقيق انتصاره، قال: “الإصرار ومواصلة الحلم، هما الكفيلان لتحقيق غاية الإنسان”.