مصر وغزة.. من مبارك للسيسي ما الذي تغير؟!

158

شُكر متكرر من حماس وقيادتها لدور مصر بالتزامن مع قيام الأذرع الإعلامية للحكومة المصرية بالدفاع عن غزة وحماس بشكل غير مسبوق حتى في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.

زيارة غير مسبوقة من رئيس المخابرات إلى غزة، تعهد مصري ببناء ما تم تدميره والسعي لتهدئة طويلة، ظواهر أثارت حيرة العديد من المتابعين لدرجة أن بعضهم تسأل: “ما الذي تغير؟ هل النظام المصري أم من يحكم غزة؟”.

الحقيقة الصادمة أن الطرفان لم يتغيرا بل وقد تكون قناعتهما عن بعضهما لم تتغير، فما الذي حدث؟

البداية “مبارك وحماس”.. كراهية وتعامل ضروري:

كان الرئيس الراحل حسني مبارك رغم ما يشاع من حكمته المعهودة يكره بشكل شخصي حركة حماس ونجد هذا جليا في تسريبات ويكيليكس التي أكدت أنه اعتبرها عدوا مشتركا له ولأميركا وإسرائيل، وأنه لا ينظر لهم بأي ارتياح.

حيث نشر موقع ويكيليكس وثيقة كتب عليها سري للغاية بكود CAIRO87409 وتتضمن تقدير موقف للسفيرة الأميركية مارجريت سكوبي، بتاريخ 2009-05-19، حول موقف الرئيس السابق حسني مبارك من حماس وإيران .

وتنقل السفيرة أن مبارك اعتبر حركة حماس في غزة خطرا ونظر لها بقلق بالغ، وأنه سعى لتحجيم دورها حتى تنجح عملية السلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ليحصل الفلسطينيون على إنجاز بعيد عن حماس.

وتشير الوثيقة إلى أن مبارك كان يحذر أميركا من أن عمل إصلاحات ديمقراطية في أي دولة للشرق الأوسط سيؤدى لوصول التيارات الإسلامية مثل حماس.

مما سبق وعلى عكس ما يردده البعض، كان مبارك يرفض حماس وتجلى ذلك في التعنت بغلق معبر رفح  والتعامل بشكل رسمي مع حماس بل وتسليط الإعلام المصري ليشمت في الحرب الإسرائيلية على غزة، الأمر الذي توضح آنذاك في تحية عمرو أديب الشهيرة للاحتلال بعد أيام من الحرب الإسرائيلية الأولى على القطاع.

كما تجلى ذلك من خلال تهديد ليفني لحماس من القاهرة بعد لقاء جمعها مع مبارك وأبو الغيط وكأنها تهدد من مقر وزارة الدفاع الإسرائيلي وليس من قصر الاتحادية.

تلك المشاهد كلها فندت الرواية القائلة أن علاقة مصر مع حماس كانت جيدة، كان هناك جزء وحيد فيها به بعض المرونة وهو التعامل المخابراتي بقرار من عمر سليمان وحماس، وكان سببه الخوف من انفجار القطاع نحو مصر بسبب الحصار القاسي، فأتاح النظام متنفسا لأهالي غزة وسيناء عبر الأنفاق المراقبة بشكل كامل.

حتى الأنفاق في نهاية عهد مبارك تقرر عمل سياج حديدي حدودي حولها شمل في المرحلة الأولى تركيب أجهزة للكشف عنها وقد بدأ العمل فيها منذ الربع الثاني من 2009 تقريبا.

وتم تنفيذ المرحلة الأولى منها، وبلغت حوالي 4 كم شمال معبر رفح البري وحوالي 500 متر جنوب معبر رفح، كما تم تغطيتها بالألواح المعدنية التي غمست في باطن الأرض باستخدام معدات مخصصة لحفر آبار المياه، وفي منتصف يناير 2010 تم الانتهاء من بناء 60%.

وحسب تصريحات لقناة الجزيرة، قال نائب وزيرة الخارجية الأميركية في 2009 جيفري فيلتمان إن قرار بناء الجدار الفولاذي على الحدود المصرية مع قطاع غزة كان قرارا مصريا بحتا اتخذته الحكومة المصري.

حتى عمر سليمان الذي كان يروج البعض أن علاقته مع حماس جيدة قال في لقاء مع مع وزير الأمن في وزارة دفاع الاحتلال في سبتمبر 2005، سربته وثيقة لوكيليكس، إنه متخوف من صعود حماس في غزة بعد الانتخابات الفلسطينية وقتها، وحذر الاحتلال من أن تلك الإنتخابات ستفتح بابا لن يغلق بسهولة وهو ما حدث.

نستشف من كل تلك التسريبات والوثائق أن مصر مبارك كانت فقط مضطرة للتعامل مع حماس بحكم الواقع الجغرافي والزماني فحماس تسيطر على جيب محاذي لأخطر حدود مصر من الشرق وتحكم شعبا من مليون مواطن لو انفجر نحو الحدود المصرية كما حدث في 2008 لكانت الكارثة.

كان اقتحام الحدود ودخول الفلسطنيين بالآلاف في 2008 نحو رفح المصرية بروفة وجرس إنذار جعل السلطات تتساهل أكثر في الأنفاق والتعامل مع حماس بعد أن كشفت الحركة ورقة مهمة وهي سيطرتها على شعب القطاع، ولو فقدت سيطرتها بفعل حرب أو حصار سيحدث ما لم يسر الإدارة المصرية ولا إسرائيل.

ومن تلك الجملة الأخيرة سنعرف سبب علاقة حكومة السيسي الجيدة نسبيا حاليا مع حركة حماس.

 

 

السيسي وحماس.. كراهية بسبب الإخوان وتعاون بسبب سيناء:

كانت حماس الشماعة التي علق عليها إعلام نظام مبارك ومن بعده المجلس العسكري والسيسي شماعة انهيار الشرطة في 2011، ورغم أن عناصر حماس الهاربة كانت في سجن واحد بوادي النطرون وثبت من التحقيقات وقتها أن مجموعة من البدو هربت سجنائها فهرب باقي المعتقلون الجنائيون والسياسيون، وأنه حتى اليوم لم يحدث تحقيق واضح في سبب الفتح المتزامن للسجون وفي نفس الوقت الانسحاب المتزامن لقوات الشرطة بداية من عصر جمعة الغضب 2011 وحتى غروب الشمس.

فلا يعقل أن تكون حماس من أمرت الشرطة بالانسحاب المتزامن ولا يعقل أن هي من فتحت اكثر من 10 سجون حرقت عشرات الأقسام كما يردد البعض.

قد تكون عناصر تابعة للحركة اقتحموا سجن وادي النطرون لتهريب أفرادها او آخرين من حزب الله، لكن الترويج لتلك الرواية يدخل في ضمن البروبجندا السياسية لتشويه فصيل الإخوان والتبرير لأي فعل سيتخذ ضده فيما بعد كما حدث في يوليو 2013 وفض رابعة والأحداث المتواصلة حتى اليوم.

ويكفي أن تراجع تقرير لجنة تقصي الحقائق حول فتح السجون لتتأكد أن حالة وادي النطرون مختلفة عن حالات في 10 سجون أخرى في عدد من المناطق، وأن الموضوع أكثر تعقيدا من حماس وحزب الله ،وإن كانوا طرفا في سجن واحد فهناك 10 سجون أخرى الهاربون منها جنائيون وغيرهم.

مما سبق نكتشف أن تشويه حماس كان على الأغلب بسبب سياسي أكثر منه جريمة ارتكبتها، فقد استلهمت قيامها من جماعة الإخوان وكانت جزءا منها في ظل تنسيق عالي المستوى بين الطرفين حتى أتى السيسي.

أما ضرورة التعامل فكانت بسبب تخوف النظام المصري من انهيار الأوضاع في غزة قبل أن تتسلمها سلطة موالية له أو على الأقل سلطة متعاونة بشكل أكبر فانهيار الأوضاع في غزة سيكون له تداعيات مرعبة على وضع النظام في سيناء

تخيل معي لو قررت إسرائيل القيام بحرب شاملة ضد غزة لتصفية حماس في القطاع، ستكون تلك الحرب بشعة ومدمرة على الأهالي، ولن يجدو ملجأ يهربون له إلا حدود مصر، ومهما تصدت لهم القوات، فإن الأمواج البشرية المنهمرة على الحدود ستدخل كما حدث في سوريا عندما تم تهجير الملايين من حلب وحمص واضطرت تركيا في النهاية بالسماح بدخلوهم.

فالحرب الشاملة مدمرة وتأثيرتها كارثية ولهذا مصر تمنعها ليس حبا في حماس بل خوفا من تورطها في كارثة إنسانية ستؤثر في سيناء.

تخيل معي أكثر من مليون مواطن غزاوي فيهم عشرات آلاف المسلحين ينهمرون نحو سيناء هربا من الجحيم في غزة ستجد إسرائيل والنظام المصري أنفسهم في ورطة ولن تنتهي تلك الورطة قريبا فالحل المنطقي هو الإبقاء على حماس مع إضعافها وتكسير ذراعها العسكري ومحاولة انتزاع الجكم منها بالتدريج أو بانقلاب داخلي وهبة شعبية وهو ما يحاوله الاحتلال حتى اليوم وفشل في 4 حروب وما يساعد فيه النظام المصري عبر الحصار والضغط على الحركة.

فخيار الحرب الشاملة مرعب جدا ليس لغزة وأهلها ولا لحماس فقط بل حتى للاحتلال ولمصر فبدل من التعامل مع جيب صغير 40 كيلو في 17 كيلو عرض سيكون الوضع مختلفا عندما تتعامل مع منطقة مثل سيناء حجمها بحكم دولة الاحتلال اكثر من مرة وحجم غزة عشرات المرات

 

2013-2014 حماس العدو:

هجوم شرس على حماس في كافة المنابر الإعلامية كاد يكون قريبا من هجوم الاحتلال عليهم وتحميلهم مسؤولية الكوارث والإرهاب التي تحدث في سيناء .

وتصاعد الهجوم الإعلامي حتى وصل لجهات رسمية  وقال المتحدث باسم الجيش العقيد أحمد محمد علي في مؤتمر صحفي في سبتمبر 2013 إن الجيش تمكن من ضبط عدد من قطع الأسلحة الثقيلة وأن بعض تلك القنابل التي جرى العثور عليها كان مدونا عليها كلمة كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس بدون عرض صور لتلك الأسلحة.

هذا البيان والتصعيد أشعر البعض أنه قد يصل أحيانا للصدام المسلح بل وحرض إعلاميون مشاهير مثل أحمد موسى على استهداف الحركة، ودعا القوات المسلحة لضرب ما أسماه “معسكرات الإرهاب” في غزة، موضحا أن الجيش عليه استهداف بؤر الإرهاب حيثما كانت.

خطاب تحريضي مطلق في الفترة الأولى من حكم السيسي بشكل أفزع حتى العوام من أهالي قطاع غزة تزامن معه قتل صيادين فلسطينيين تجاوزوا الحدود البحرية دون تحذيرهم وتطبيل إعلامي لعمليات القتل تلك وتهديد إعلامي باجتياح غزة.

تجلى كل هذا مع حرب الاحتلال على غزة 2014، فعلى عكس حرب 2021 كان الحشد الإعلامي المصري يهاجم القطاع وأغلقت مصر المعبر وترك القطاع فريسة للاحتلال في عدوان استمر منذ 8 يوليو وحتى نهاية أغسطس، كان هناك تخل كامل عن غزة بشكل مرعب وغير مسبوق حتى في أحلك لحظات الخصام مع نظام مبارك.

وعلى عكس 2021، رفضت حماس وقتها اقتراح مصر بوقف إطلاق النار وقالت إنه يفيد الاحتلال الإسرائيلي، بينما شدد نظم السيسي حصاره على القطاع وحملته الإعلامية الشرسة، ويمكن أن نقول إن سبب وقف الحرب وقتها ليس التدخل المصري وإنما صمود المقاومة وتصاعد خسائر الاحتلال في التوغل البري.

تجلى العداء الشرس بصدور حكمين خلال شهري يناير وفبراير الأول متعلق بكتائب القسام وصنفها تنظيم إرهابي، والثاني يتعلق بالحركة ككل وصنفها أيضا ككيان إرهابي.

كانت تلك الأحكام تعبر عن تجل واضح لمدى خطورة الموقف الذي وصلت إليه العلاقة بين حماس ونظام السيسي في مصر وأن النظرة الإسرائيلية باتت تتقارب مع النظرة المصرية بشأن الحركة

 

كيف تغير الوضع:

بدأ التغير فعليا منذ منتصف 2015 وبقرار مشترك فحماس كثفت التعاون مع النظام في ملف سيناء ولم تقاوم علميات هدم الأنفاق على الحدود عكس ما فعلته في نهاية عهد مبارك حيث كانت تقوم بتعيل عمليات الهدم في 2010 عبر تخريب المعدات الخاصة أو قص الجدار الفولاذي أو التهديد بالسماح بأهالي القطاع باقتحام الحدود وغيرها من الضغوط التي لم تفعلها تلك المرة رغم تكثيف النظام لعمليات الهدم.

وتشمل الخطة الأمنية التي أعلنت نهاية 2014 وبداية 2015نقل نحو 250 أسرة وإزالة نحو 680 منزلا في رفح المصرية في إطار قرار السلطة بإقامة شريط عازل على الحدود مع غزة يمتد لمسافة 13 كيلو مترا.

في المقابل ألغت محكمة مصرية، في شهر يونيو 2015، الحكم القضائي السابق الذي اعتبر حركة حماس الفلسطينية “منظمة إرهابية”، موضحة أن المحكمة التي أصدرته “ليست جهة اختصاص”.

كانت تلك الخطوات بداية التغير البطيئ في العلاقات بين الطرفين، فبدأت وفود من حماس تعود للقاهرة في 2016 بداية بوفد لبى دعوة المخابرات العامة الوفد الفلسطيني كان يضم أربعة من أعضاء المكتب السياسي، هم محمود الزهار وعماد العلمي وخليل الحية ونزار عوض الله. وسينضم إلى الوفد موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس.

بحث الوفد مع مسؤولين بالمخابرات العامة المصرية، ملفات هامة تتعلق بعلاقة حماس مع مصر, وإعادة فتح معبر رفح.

هذا اللقاء جاء بعد أيام من تصريح لحركة (حماس) أنها ستواصل اتصالاتها مع السلطات المصرية على الرغم من اتهامات وزير الداخلية المصري مجدي عبد الغفار لها بالتورط في عملية اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات.

حماس لم تصعد ولم تقطع رغم اتهامات وزير الداخلية لهم آثرت تقوية العلاقة رغم الاستفزازات مما أسفر إيجابيا على تطور العلاقات بين الطرفين.

حماس تدرك جيدا أن السياسة هي فن الممكن وأن من لا تستطيع مصادمته عليك أن تصادقه ولو كانت الكراهية معه في أقصى حد، خاصة أنها تعلم جيدا أن بيدها ملفات يمكن المساومة بها، فإذا كان حصار غزة والتواصل مع الاحتلال ملفات قوة في يد السيسي، فحماس تملك ملف أمن سيناء ولديها معرفة جيدة بالتنظيمات المسلحة هناك، نظرا لتعقيدات الموقف واعتمادها في منظومتها التسليحية على التهريب، فمن الطبيعي أن تكون على معرفة جيدة بمن يجلبون السلاح حتى لو كان بينهما تصادم.

 

2017: عام الإنفراجة بين السيسي وحماس

في هذا العام تولى يحيى السنوار، المفاوض البارع والسياسي الداهية، قيادة المكتب السياسي في حماس رسميا، وفي نفس العام اتفقت فتح وحماس رسميا في مصر على المصالحة.

وكان من أول تصريحات السنوار بعد وصوله لقيادة الحركة: «لا أسعى لمنصب، ولكن سأجعل نتنياهو يبكي على منصبه»

ويحيى السنوار الذي صعد في منصب رئيس لحركة في غزة في انتخابات داخلية بدأت أواخر يناير 2017، هو أحد مؤسسي الجهاز الأمني للحركة، من مواليد 1962 في مخيم خانيونس للاجئين جنوب قطاع غزة، وتعود جذوره الأصلية إلى مجدل عسقلان المحتلة عام 1948.

تنقل السنوار في مدارس المخيم حتى أنهى دراسته الثانوية في مدرسة خان يونس الثانوية للبنين، ليلتحق بعدها لإكمال تعليمه الجامعي في الجامعة الإسلامية بغزة، ويحصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية.

تحرك السنوار بصحبة عدد من أصدقائه قبيل اندلاع الانتفاضة الأولى، وشكلوا جهازا عسكريا تحت مسمى «مجد»لمواجهة الاحتلال في غزة عام 1988، واعتقل السنوار مجددا وصدر عليه حكم بالسجن المؤبد وخرج في 2011 في صفقة تبادل الاسرى التي رعتها مصر، وهنا بدأت علاقته مع جهاز المخابرات المصري.

 

الفتح في العلاقات مع مصر

حماس اتخذت موقفين في 2017 غيرا العلاقة مع مصر من العداء الشرس للسلام البارد، الأول كان تغيير ميثاق الحركة وحذف جملة أنها منبثقة من جماعة الإخوان المسلمين، وقد أسقطت جميع الإشارات إلى الجماعة في ميثاقها.

وتوافق الوثيقة الجديدة رسميا على إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية – ما يُعرف الآن بحدود ما قبل عام 1967.

ووصف الميثاق السلطة الوطنية الفلسطينية بأنها “إطار وطني للشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين”.

المتتبع للوثيقة الجديد مع وصول السنوار يتأكد أن الحركة تقدم السبت في علاقتها مع دول عديدة معادية للإخوان على رأسها النظام المصري وهذا التغير الرمزي يحل الأزمة أيضا مع الاحتلال الإسرائيلي ومع السلطة الفلسطينية .

الفتح الثاني في أكتوبر 2017 في توقيع اتفاق المصالحة المبدئي بين فتح وحماس وينص على أن تمنح حماس للسلطة الفلسطينية السيطرة الحكومية على غزة، وأن تجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني المعطل منذ 1996 في غضون عام واحد من توقيعها. وسترى الاتفاقية أيضا أن كلا من حماس وفتح تشكل حكومة مؤقتة قبل الانتخابات.

وبموجب الاتفاق سيتم وضع ضباط شرطة تابعين للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، وتشغيل معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة من قبل الحرس الرئاسي لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

وصل التعاون الأمني ضد داعش في سيناء وغزة أشده نهاية 2017 وبداية 2018 بل وقفت عناصر من حماس في مواجهة داعش بالتزامن مع تحسن العلاقات بين الحكومة المصرية والحركة.

 

 

2018 عباس كامل وأحمد عبد الخالق:

بدأت حماس تشم نفسها وتقوى شوكتها عسكريا وسياسيا في غزة مع تراجع الضغط المصري، وتزايد هذا التعاون بين الجانبين بعد وصول اللواء أحمد عبد الخالق لرئاسة ملف فلسطين في جهاز المخابرات وقد عرف علاقته الديبلوماسية الخالية من التهديد أو التعامل باحتقار وتقليل لحركة حماس وكان التغير متبادلا بين الطرفين لدرجة أنه حضر حفل تأبين لشهداء حركة حماس في أول مشهد من نوعه لمسؤول أمني مصري رفيع المستوى.

تزامن أيضا مع وصول رفيق السيسي عباس كامل لسدة الجهاز الأمني الرفيع وخالف عباس التوقعات بتطوير العلاقة بين المخابرات المصرية وحماس، مع توسط مصر لإطلاق سراح أسرى إسرائيليين مقابل المئات من الفلسطينيين.

وشكر  إسماعيل هنية، في فبراير السلطات المصرية لأنها أفرجت، عن 4 من قياديي حركة حماس كانوا محبوسين منذ 4 سنوات، فيما تم إطلاق سراح عن 4 مواطنين آخرين من القطاع.

ومع هذا التطور زار إسماعيل هنية مصر في نهاية 2019، تلك الزيارة التي حظيت بتغطية إعلامية وحفاوة رسمية، وزار فيها شيخ الأزهر أحمد الطيب علنا وكانت لقاءات دافئة.

والتقى رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، الثلاثاء، وزير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل، وبحث معه موضوعات عدة، كما التقى هنية بالعديد من وسائل الإعلام المصرية في محاولة لتوضيح العديد من الحقائق حول العلاقات مع مصر.

 

2020 موجة التطبيع وتهميش النظام المصري:

مع ظهور موجة التطبيع العلني في 2020، التي تم اختتامها بتوقيع اتفاقيات للتطبيع في البيت الأبيض، بحضور ترامب وقيادات الإمارات والبحرين، ودخول المغرب للموجة وتلميح السعودية وعمان وغيرها بالتطبيع، خفت الضوء عن النظام المصري باعتباره عراب التطبيع الأول فهناك عرابون كثر مستعدون لتقديم خدمات أكبر وأهم ويملكون سلاح المال الغزير.

وجد النظام المصري نفسه يبتعد تدريجيا عن المركز الأول في العلاقات مع الاحتلال مقابل تصاعد دور الإمارات واجتهادها في إثبات كفاءتها في هذا الدور بل وقيامها بتقديم خدمات للاحتلال لم يقدمها النظام المصري مثل تكثيف التعاون في التطبيع الثقافي والشعبي على عكس التطبيع المصري الذي كان يركز على التطبيع السياسي أكثر من غيره بل وفي بعض الأحيان كان يسمح بتغذية الكراهية للاحتلال في عهود مختلفة.

كما أن العديد من الملفات التي تم إحراج السيسي فيها تسببت في المشهد الحالي مثل ملف سد النهضة الإثيوبي وملف المصالحة مع قطر الذي جاء في البداية بضغط أميركي وخليجي وغيرها من الملفات التي كان لزاما على أي نظام أن يكون له رد فعل يقبت فيه أنه مازال يمتلك العديد من أوراق القوة

كان لزاما بعد تلك الموجة ووصول بايدن للحكم وهو الذي هدد بمحاسبة السيسي على الوضع الحقوقي ورفض الاتصال به بعد ترأسه للولايات المتحدة أن يكون للنظام رد فعل وهنا جاءت الفرصة الذهبية في قضية فلسطين.

كانت قضية فلسطين دوما الورقة الرابحة لأي زعيم يريد شعبية خصوصا لو أراد الهرب من أزمات عدة داخليا وخارجيا وهي ورقة صالحة للإستخدام حتى اليوم وهو ما أدركه السيسي جيدا فأعاد إنتاجها واستخدامها مستغلا الحتمية لوجود علاقة بين غزة ومصر لأنها منفذها الوحيد للعالم.

 

2021.. الحب المستحيل بين حماس للسيسي:

اشتغلت “تسلم الأيادي” في شوارع غزة، ولعل الحفاوة في استقبال رئيس المخابرات عباس كامل بعد التهدئة هي أكبر تجل لهذا الاستغلال الذي قاده السيسي ورجاله تجاه غزة .

يبدو هذا التطور غير مفاجئ لكل من يقرأ التاريخ خصوصا بعد أن رصدنا في السرد السابق مراحل هامة، إضافة إلى استغلال السيسي فرصة وجود بايدن، وأزماته التي جعلته يلجأ للحل السحري الذي يضرب به أكثر من عصفور بعصا واحدة.

في بداية 2021، ومع تصاعد أزمة سد النهضة وموقف النظام المصري الحرج الذي لا يريد محاربة إثيوبيا رغم استفزازاتها المتواصلة وتحديها له علنا، كان لازاما عليه أن يستغل الورقة الرابحة ليثبت للعالم أنه مازال لاعبا إقليميا وأن الأوراق لم تحترق بعد.

جاءت أحداث القدس وانتهاكات الاحتلال ضد الأقصى على طبق من ذهب للنظام، فأصدرت الخارجية بيانا فيه لهجة شرسة “كلاميا” ضد الاحتلال.

كان أبرزها تصريحات سامح شكري يوم 11 مايو التي قال فيها: “نجتمع اليوم في ظل أيام مباركة من شهر مبارك، غير أن لنا إخوة في القدس لم تُتح لهم الفرصة ليستشعروا نفحات الشهر الكريم لأنهم يخوضون معركة وجود دفاعا عن مقدساتهم وعن بيوتهم في وجه هجمات إسرائيلية جديدة تستهدف حقوقهم في الأرض التي ولدوا عليها”.

تلك الشراسة في التصريحات أثارت استغراب البعض فلم تكن معهودة على مر الأعوام الماضية، ولكن المتابع يتأكد أنها جاءت في سياق طبيعي لتفاعل الأحداث واستغلال زكي لأزمة فلسطين للتغطية على أزمات اخرى وفي نفس الوقت الظهور بمظهر العروبي الديني القوي الذي يمكن الترويج له إعلاميا.

وفي حرب غزة وعلى مر أيام الحرب كان الخطاب المصري متغيرا بشكل صادم لدرجة أن أحمد موسى إعلامي النظام الذي طالب بقصف غزة في 2014، سخر بنفسه صفحته وبرنامجه للدفاع عن القطاع وقت قصف الاحتلال، بل وتصاعدت لهجة إعلام النظام بكافة أطيافه للترويج للمقاومة بشكل حتى لم يكن معهودا في عهد مبارك.

وعلى عكس حرب 2014، تدخلت مصر سريعا للتهدئة كما فعلت في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي فلم تدخل الحرب أسبوعها الثاني إلا وقد هدأت جذوتها.

فاز السيسي بأول اتصال من بايدن يعترف فيه بأهمية النظام في مصر وعبر السيسي عن فرحته بالاتصال عبر حسابه الرسمي ظهر السيسي بمظهر العطوف على غزة بقوافل مساعدات تم تغطيتها بصورته وكأنها تبرع من شخصه وليس من الدولة بأكملها كان مشهدا أكثر الفائزين فيه السيسي.

حماس أيضا فازت باحترام النظام المصري باعتبارها الطرف الأقوى في المعادلة فزارها رئيس المخابرات المصرية لأول مرة بتاريخها في غزة بنفسه وتعهد بعملية إصلاح ما هدمه الاحتلال وبناء مدينة سكنية، وبعد أن كان النظام يعاملها بنوع من التقليل، فإن صمودها وسياسة شعرة معاوية التي قادها السنوار، جعلها تدعى رسميا في مصر، ويتوقع أن يكون لها دور رسمي في حكومة الوحدة الوطنية والانتخابات القادمة، لو لم يكن هناك سوء نية من الأطراف الأخرى.

توافق المصالح بين حماس والسيسي قد يستمر وفقا للضرورة فالضغوط أجبرت كليهما على التعامل معا رغم الكراهية والعداء القديم بل والاقتراب بينهما تجاوز ذلك الذي حدث في كافة الأنظمة السابقة، إلا أنه قد ينهار في أي لحظة لوجود أطراف أقوى في المعادلة وأولهم الجانب الإسرائيلي والأميركي والخليج أي المال والقوة بالإضافة لنية النظام المصري من استمرار التوافق من عدمه.

أما حماس فبعد صمودها في حكم غزة رغم حصار قاس و4 حروب وتشابك مع الأنظمة المصرية المتعاقبة ومحاولة تثوير أهالي القطاع ضدها وغيرها فقد نجحت نسبيا في البقاء ولم تنهار مثل حركات وتيارات إسلامية وقعت في اختبارات مماثلة وفخاخ مشابهة فهم نجحوا حتى الآن في “الرقص مع الأفاعي”.

فهل تكون النهاية سعيدة؟

مقال للباحث- جهاد أنصاري

ما هو إنطباعك عن هذا المحتوى ؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0