مَن هي الألمانية هايكة فيبر التي عاشت أربعين عاماً في دمشق للإهتمام والحفاظ على التراث السوري العريق وتطويره

2٬253

الاسم: هايكة فيبر.

العمر: 70 عاماً.

الجنسية: ألمانية.

مكان الإقامة منذ أربعين عاماً: دمشق.

معظم سكان دمشق القديمة، وتحديداً من يقطنون قرب القوس الأثري المجاور لكنيسة المريمية بمنطقة باب شرقي، باتوا يعرفون هذه السيدة التي يستحيل أن تغادر منزلها إلا بمظهر فريد، كأن ترتدي في رقبتها عقداً كبيراً محبوكاً من خيوط ملونة ثخينة، أو شالاً مطرّزاً برسوم شرقية يمتد بشكل بديع على كتفيها، أو سترة قصيرة لا تصعب ملاحظة التطريزات الشامية على جوانبها.

في منزلها الدمشقي الكبير، المميّز بنوافذه وأبوابه الزرقاء وأسقفه الملونة، والمزين بلوحات موقعة بأسماء فنانين سوريين مشهورين، دعتني هايكة لاحتساء القهوة داخل غرفة واسعة مليئة بالملابس المشغولة يدوياً وأدوات الحياكة والتطريز، والتعرف عن كثب إلى حكايتها التي لا تشبه أي شيء سمعته قبلاً.

مركز تدريب في مخيم اليرموك

مع تعرفها على مخرج فلسطيني كان يدرس في ألمانيا منتصف السبعينيات، ووقوعها بحبه وزواجها منه، انتقلت الشابة من بلدها للإقامة معه في لبنان عام 1982، ثم ما لبث الزوجان بعد بضعة أشهر أن اضطرا، بسبب الحرب اللبنانية، للمغادرة إلى سوريا.

“هناك، كنت بحاجة لمدخل كي أتعلّم اللغة العربية بشكل أفضل، وأتعرف للناس عن كثب، وعرفت بأن دراستي السابقة للموسيقا والأدب المقارن لن تفيدني، فقرّرت إطلاق العنان لشغفي بالحياكة والتطريز وتصميم الملابس، مستذكرة ما تعلّمته من جدتي”.

بذلك، بدأت هايكة دورات لتعليم النساء والعمل معهنّ، في مخيم اليرموك جنوب دمشق، حيث كانت تقيم مع زوجها. بدأ الأمر بمئتي دولار هي حصيلة مدخراتها، ومع عشرات السيدات، وانتهى بإنتاج قطع يدوية أخذتها السيدة لتبيعها في ألمانيا، وعادت مع مبلغ أكبر سمح لها ببدء مشروعها الخاص.

فكّرت هايكة بأن إنتاج أعمال يدوية “عادية” لن يكون مفيداً لتتمكن السيدات من الحصول على مصدر رزق ثابت، فالمنتجات الصينية تغرق كافة الأسواق بما هو أكثر جودة وأقل سعراً، فقالت لهنّ: “لا بد من التركيز على تراثكن”. هذا التراث الشرقي كان بحراً غرقت السيدة الألمانية في تفاصيله بكل سعادة وحب.

آلهة الحياة

على مدار السنوات اللاحقة، جابت هايكة معظم أرجاء سوريا، من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها، باحثة عما هو “أكثر أصالة” من تراث منسوجاتها اليدوية. تعرّفت إلى تصاميم الفساتين التي ترتديها السوريات في حمص وحماه وطرطوس ودرعا ودير الزور والحسكة وحلب، والألوان المستخدمة فيها. قضت أياماً وليالٍ وهي تفكّ أسرار أنسجة قديمة وقطب وتطريزات لا يعرفها سوى كبار السن، وباتت قادرة من نظرة واحدة على التمييز بين قطعة حاكتها يد سيدة في قرية السخنة بريف حمص، أو أخرى خرجت من قرية في جبل الحص جنوب حلب.

قادتها هذه المعرفة الدقيقة لتأسيس علامتها التجارية الخاصة أواخر الثمانينيات، التي اعتمدت فيها على تصميم ملابس “على الموضة”، بروح سورية خالصة. وعاماً بعد آخر، أنتجت فساتين وقمصان وحقائب وإكسسوارات بتفاصيل مستوحاة من البيئات السورية على اختلافها، وبالتعاون مع عاملات محليات من مناطق سورية مدنية وريفية متنوعة، عملت هايكة على تعليمهن ثم تشغيلهن بالإنتاج.

“عناة هي الآلهة التي تمنح الحياة في الأساطير القديمة، واخترت الاسم لأقول بأن الموت ليس النهاية، وبعد كل موت هناك بداية جديدة، وهذا بالضبط هو جوهر العمل اليدوي، إذ إننا نخلق من خلاله الحياة، نهزم الموت ونبعد الطاقة السلبية”

وخلال تلك الفترة، توسع العمل لمشغل في حي التضامن المجاور لمخيم اليرموك، مع سيدات فلسطينيات وسوريات من دمشق والسويداء وإدلب بشكل خاص، ثم محل صغير قرب الجامع الأموي بدمشق القديمة، ثم آخر أكبر مساحة في نهاية الطريق المستقيم قبل باب المدينة الشرقي، وذلك عام 2006. جميعها حملت اسم “عناة” الذي اختارته هايكة ليكون معبراً عن علامتها التي استقطبت آلاف الزبائن، بمن فيهم أشخاص على مستوى قياديين وحكام من بلدان عربية وأوروبية، وشاركت فيها بعشرات المعارض داخل سوريا وفي بلدان عربية وغربية عدة.

من ألف إلى تسعة!

للأسف، جاء العام 2011، وما تبعه من أحداث عنيفة ودموية في سوريا، بمثابة ضربة قاصمة لعمل هايكة الذي هدفت من خلاله، بطريقتها الخاصة، للحفاظ على التراث السوري الذي شعرت بأنها جزء منه وبأن لها مهمة الإبقاء عليه وتطويره.

“كانت لدي أكثر من ألف عاملة في كل أرجاء سوريا عام 2010، وكنا نخطط لمشاريع نتوسع بها لعدد من القرى، خاصة تلك المهملة والتي تحتاج لتنمية حقيقية، من خلال تشغيل اليد العاملة وتشجيع تعليم القراءة والكتابة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على روح تلك القرى وحكاياتها والأساطير الخاصة بها”، تقول هايكة، وتعرض عليّ صوراً ومقاطع فيديو قديمة تظهر فيها إلى جانب أولئك السيدات ضمن منازلهن وقراهن البعيدة: “علاقتي بهنّ لم تقتصر على العمل بل لامست الكثير من تفاصيل حياتهن، كما كنتُ حريصة على أن أوطد علاقة الزبائن بهن، وكثيراً ما كانوا يذهبون لزيارتهن والتعرف عن كثب على بيئة عيشهن وعملهن. القصة ليست مجرد بيع وشراء”.

لم يدفع الأمر بالسيدة لليأس المطلق، ورغم صعوبة الوضع الأمني في دمشق حيث تقطن، مع سنوات من الحرب وتساقط القذائف العشوائية، وتردي حال الخدمات والبنية التحتية، تقول بأنها لم تفكر يوماً بالمغادرة أو حتى اللحاق بأولادها الثلاثة الذين فضلوا الاستقرار في أوروبا وكندا، بعد أن قضوا سنوات طفولتهم وشبابهم في سوريا.

“عدتُ للملمة أجزاء من عملي، واليوم لدي تسع عاملات في دمشق وريفها، وقد يزيد العدد قليلاً في المستقبل. أركز الآن أكثر على التعليم، ولا زلت أسعى لاكتشاف قطب وتصاميم جديدة ونقلها للأجيال الشابة كي تبقى في الذاكرة”

لكنها تضيف بأنها تخشى بأن إعادة بناء مشروعها كما كان قبل أن توقفه الحرب، هو عمل صعب للغاية اليوم. “بكل الأحوال أنا مستمرّة حتى تنفذ طاقتي. أحب سوريا بكل ما فيها، وأحب بأنني ممن ساهموا في توثيق تراثها وهويتها بطريقتي الخاصة”.

عن الصحفية السورية زينة شهلا

ما هو إنطباعك عن هذا المحتوى ؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
2
+1
0
+1
0