الخميس - 22 يناير / كانون الثاني 2026
الطقس
ثقافة

هل غياب العقل شرط للحب؟

تابع آخر الأخبار على واتساب

هل غياب العقل شرط للحب؟ نظرة في فلسفة العشق والعقل

الـخـلاصـة

📑 محتويات:

هل غياب العقل شرط للحب؟ يتساءل المقال عن العلاقة بين العقل والعاطفة، وهل الحب يتطلب التخلي عن المنطق. يستعرض تجارب شخصية ومراسلات تاريخية شهيرة مثل جبران ومي زيادة، وغسان كنفاني وغادة السمان، ليبحث عن دور العقل في الحب. يحلل آراء الفلاسفة كأفلاطون ونيتشه، ويستشهد بأقوال المتنبي، ليؤكد أن العقل ليس عدوًا للحب، بل شريكًا يوجهه ويثريه، وأن الحب الحقيقي يوظف العقل لخدمة العاطفة، لا لإلغائها.

ℹ️ خلاصة مختصرة لأهم ما جاء في الخبر قبل التفاصيل

(1)



أعترف بأن أول رسالة حب لي في حياتي كانت إلى كلب!

لم أكن قد بلغت الخامسة من عمري بعد، وكانت العائلة حينها تسكن بورسعيد، وهذا الكلب، لا يرقد طوال اليوم إلا أمام ورشة لإصلاح السيارات أسفل بيتنا، وهي الحكاية التي كان أولادي لا يملون من تكرار طلب سماعها من أختي الكبرى -يرحمها الله- كلما زارتنا أو زرناها.

لكن -والله- استقمت بعد ذلك، وكنت زبونا دائما لدي برنامج إذاعي في بلدي خصص فقرة لهواة المراسلة، وكانت تأتيني رسائل أسبوعية عديدة من أنحاء متفرقة من العالم العربي، حتى إن ساعي البريد ظن أن لي نفوذا خارج مصر، فطلب مني أن أتوسط له، للحصول على عقد عمل خارج البلاد، رغم أنني كنت وقتها ما زلت طالبا في المرحلة الثانوية.

لكن ألطف الرسائل -إن كان يصح أن أسميها كذلك- تلك التي كنت أكتبها لعائلتي وأنا في السجن، على ورق المناديل، بخط صغير ليتسنى أن تتحمل الرسالة ما لذ وطاب من الكلام، ثم أتفنن في تهريبها، وكذلك كانت تفعل أسرتي، تهرب لي الرسائل في أصابع المحشي، أيام زمن السجن الجميل، قبل أن يلاقي الناس الأهوال كما هو جارٍ الآن.

(2)

استدعيت الماضي، فاستدعى بدوره ألف سؤال.

بالأساس لماذا نكتب الرسائل العاطفية، هل نلجأ للكلمات المكتوبة لنبوح بما لا نستطيع أن نعبّر عنه بكلام منطوق، أم أن الحياء يمنعنا أن نخرج ما في داخلنا فنستتر وراء الكتابة؟ ثم هل التعبير عن الحب في رسالة يحتاج إلى بلاغة؟ وهل تتسع الرسائل العاطفية للأفكار، أم أنها محض عواطف هوجاء حارة تتدفق كالبركان؟ فالحب لا يعرف العقل، أحقا هو كذلك؟

(3)

ربما نكتب الرسائل العاطفية، لأننا نخاف أن تضيع منا الكلمات عند المواجهة، فتمنحنا تلك الرسائل وقتا لنفكر فيما يجب أن نقول، فنختار الكلمة المناسبة لنضعها في الجملة المناسبة، لتصبح الرسالة مكانا مريحا لاعتراف القلب.

في المراسلات الشهيرة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، اللذين لم يلتقيا وجها لوجه، وبقيت علاقتهما قائمة على المكاتبات سنوات طويلة، نقرأ شوقا صريحا، لكننا نقرأ معه أسئلة عن الفن واللغة والروح، وكيف ينعكس كل ذلك على العمل والكتابة.

الأمر نفسه مع غسّان كنفاني وغادة السمان، فقد خرجت رسائلهما إلى العلن بعد اغتيال كنفاني بسنوات، وأثارت نقاشا أخلاقيا حول الخصوصية، لكنها كشفت أيضا جانبا إنسانيا وفكريا مهما، فالرسائل تخلط بين الاعتراف العاطفي والتأمل السياسي والسؤال الأدبي.

أما هِلواز وأبيلار، فكانا يتبادلان رسائل حبّ ملتهبة، لكنك تجد فيها نقاشا لاهوتيا وأخلاقيا حول الطاعة والزواج والرهبنة ومعنى الاختيار، وبالمناسبة فإن بيير أبيلار هو فيلسوف ولاهوتي فرنسي يعد من أبرز مفكري العصور الوسطى، أما هلواز دو أرجنتوي فكانت تلميذته، ثم زوجته السرية، ثم باتت راهبة.

هذه المراسلات الكلاسيكية بينهما تُقرأ اليوم على أنها نصوص حبّ وفكر معا، أي أن الرسالة تسع حرارة القلب وحجّة العقل في آن واحد.

إذن، هناك مكان ما للعقل في الحب!

أم هو في الرسائل تحديدا، حيث يعمل القلب كمحرّك، ويأتي العقل ليُنقّي اللغة، ويصوغ الفكرة، ويضع للحب معنى يعيش بعد لحظة الانفعال، فالرسائل العاطفية ليست اعترافات وجدانية فحسب، بل تتحوّل أيضا إلى مكان لإنتاج أفكار أخلاقية وفلسفية وجمالية تحت حرارة العاطفة، ولكن هل يعني ذلك أن العقل لا يغيب في الحب، كما روجوا لذلك، وكأنهم يحذروننا من مغبة فقدان العقل إن وقعنا في الحب.

(4)

حين احترت قلت فلأرى ماذا يعتقد الحكماء السابقون، فوجدت أن أفلاطون قال إن الحب الناتج عن الخطاب العقليّ واستكشاف الأفكار يُعدّ أعلى منزلة من الشهوة الجسديّة، يقصد ربما أن العقل يلعب دورا في توجيه الحب نحو "ما هو أعلى" وليس فقط ما هو مادّيّ أو شهوانيّ.

أما إيريك فروم، فيرى أنّ الحب "فن" وليس فقط شعورا أو انفعالا، ويحتاج إلى وعي وعقل وممارسة لكي يُنجَز، في حين فريدريك نيتشه يعترف بأن الحب يحوي جنونا، لكنّه جنون فيه شيء من العقل أيضا.

وإذا تركنا هؤلاء الخواجات فإنّ أبا الطيب المتنبي يقول:

فإنّ قليل الحُب بالعقل صالحٌ.. وإِن كثير الحبّ بالجهلِ فاسِدُ

أي أن الحب الذي يُوجّهه العقل يكون صالحا، بينما الحب المرتبط بالجهل، أي دون وعي أو تأمّل، يكون فاسدا.

أي أن العقل في الحب ليس عدوا، بل ضابطا.

الحب والعقل ليسا في صدام دائم أو مطلق، بل العلاقة بينهما مركّبة، الحب قد ينطلق من انفعال أو حدس، لكن العقل يُمكّنه من التوجيه، والفهم، والاستدامة.

الحب يا سادة لا يُذهب العقل، بل يعيد توجيهه نحو هدف جديد.

يتعب العقل أحيانا بعد أن ترهقه الحياة، يحتاج إلى وقود ليستعيد عافيته، فيأتي الحب ليس ليطيح به وإنما ليعيد إليه الحياة.

العقل العاشق ليس عقلا معطلا، بل عقلا يعمل بطريقة مختلفة، وهو بالمناسبة ليس عقلا محايدا، بل عقلا مُحفَّزا بالعاطفة ومُوجَّها بها، بل إن العقل والحب شريكان، وليسا خصمين، والعاشق لا يفقد عقله، بل يستخدمه بكل طاقته لخدمة قلبه، وتحت تأثير الحب، يبحث العقل عن أجمل الكلمات، أدق التعبيرات، أعمق المعاني.

الحب يا سادة لا يَفقد العقل، بل يستدعيه، وربما كل ما يفعله الحب بالعقل أنه يغير سرعته وطريقة حضور.

(5)

أفكّر أحيانا أن كل رسالة حبّ كُتبت في هذا العالم، من أول سطر على ورقة صفراء إلى آخر رسالة في بريد إلكتروني، إنما كانت محاولة لإنقاذ العقل من الغرق في العاطفة، لا للفرار منها، فنحن نكتب حين لا تسعنا الكلمة المنطوقة، نكتب لأننا نريد أن نمنح المشاعر شكلا يمكن أن يُلمس، وصوتا يمكن أن يُسمَع بعد أن يهدأ القلب.

الرسالة ليست ورقة تُرسل، بل نافذة يطلّ منها القلب وفي يده مصباح العقل، يحاول أن يرى نفسه وسط العتمة الجميلة التي يصنعها الحبّ.

الحبّ لا يُفقدنا عقولنا، كما يُقال، بل يوقظ فيها لغة جديدة، منطقا أرقّ، وذكاء يُشبه الحلم، ولذلك فإن العاشق لا يفقد وعيه، بل يتعلم نوعا آخر من الوعي، يرى به العالم أكثر نقاء، ويرى نفسه أقلّ يقينا وأكثر إنسانية، ولهذا كانت رسائل الحبّ في كل زمان بمثابة حوار بين جناحين: جناح يحترق بالعاطفة، وجناح يحاول أن يُبقي على توازنه في الهواء، وبين الحريق والتوازن، يولد أجمل ما في الإنسان، وهو قدرته على أن يُفكّر بقلبه، ويُحبّ بعقله.

العاشق الحقيقي لا يفقد ذكاءه، بل يوظفه كله في خدمة عاطفته، يحفظ ما تحب وما تكره، يلتقط إشارات لا يراها غيره، يقرأ ما بين السطور، يخطط للمفاجآت، يختار الكلمات بدقة متناهية، يحسب خطواته، بل وحتى يبتكر طرقا لتهريب الرسائل في أصابع المحشي!

تحليل وتفاصيل إضافية

يتناول المقال تساؤلًا فلسفيًا عميقًا حول العلاقة بين العقل والحب، في محاولة لتقويض الفكرة الشائعة بأن الحب يتنافى مع المنطق. يبدأ الكاتب بسرد تجارب شخصية مؤثرة، ما يضفي على النص لمسة حميمية وواقعية. ثم ينتقل إلى تحليل مراسلات تاريخية شهيرة، ما يثري النقاش بأبعاد فكرية وأدبية. يتميز المقال بالجمع بين الأسلوب الأدبي الرفيع والاستدلال المنطقي، حيث يستعرض آراء الفلاسفة والشعراء، ويقدم تحليلًا نقديًا للافكار المطروحة. ينجح الكاتب في تقديم رؤية متوازنة تجمع بين العقل والعاطفة، ويؤكد أن الحب الحقيقي يتطلب توظيف العقل لخدمة القلب، وليس التخلي عنه.

أسئلة شائعة حول هل غياب العقل شرط للحب؟

هل الحب يتعارض مع العقل؟
لا، الحب لا يتعارض بالضرورة مع العقل. يمكن للعقل أن يوجه ويثري الحب، ويساعد على فهم المشاعر وتوجيهها بشكل أفضل.
ما هو دور الرسائل العاطفية في العلاقة بين العقل والحب؟
تمنح الرسائل العاطفية وقتًا للتفكير والتعبير عن المشاعر بطريقة منظمة، وتساعد على إنتاج أفكار أخلاقية وفلسفية تحت تأثير العاطفة.
ماذا قال الفلاسفة عن العلاقة بين الحب والعقل؟
يرى أفلاطون أن الحب الناتج عن الخطاب العقلي أعلى من الشهوة الجسدية، بينما يعتبر إيريك فروم الحب فنًا يحتاج إلى وعي وعقل وممارسة.
ما هي وظيفة العقل في الحب؟
يعمل العقل كضابط للحب، ويوجهه نحو هدف جديد، ويساعد على فهمه واستدامته.
هل يفقد العاشق عقله؟
لا، العاشق لا يفقد عقله، بل يستخدمه بكل طاقته لخدمة قلبه، ويبحث عن أجمل الكلمات وأدق التعبيرات.
ماذا تفعل رسائل الحب بالعقل؟
تحاول رسائل الحب إنقاذ العقل من الغرق في العاطفة، وتمنح المشاعر شكلا يمكن أن يلمس وصوتا يمكن أن يسمع.

تابع صوت الغد على مواقع التواصل الاجتماعي : نبض | فيسبوك | تيك توك | إنستغرام | واتساب | تويتر × | تيلغرام

×

🧥 شو نلبس بكرا؟