غـــــــــــزة

يـــــــــــوم

ثقافة

الأسد وجمهورية “الظلام” الثالثة

لم يُبالغ الرّوائي السوري فواز حداد حين كتب روايته “جمهورية الظلام”، والتي اختصر فيها متخيل الرعب السوري، وجسد حالة التوحش التي ينتهجها نظام الأسد، ولخص واقع كل من يعيش تحت رحمة هذا النظام لأكثر من خمسين عاماً. ولا يختلف اثنان على أن نظام الأسد أدخل شعباً بأكمله إلى مستنقع مظلم وعميق، بعد الثورة على نظامه عام 2011م، وخلالها أصبح العنف هو الرافعة الوحيدة للنظام، إذ مورس بطرقٍ شتّى: مقابر جماعية، وتشريد الملايين، وإبادة مدن وأرياف، واستدعاء للمحتل الإيراني والروسي، وأعداء الشعب السوري، بالإضافة لممارسة أفظع أنواع التعذيب في المعتقلات الرهيبة، والتي تشرف عليها مخابرات لا تعرف الرحمة ولا الشفقة، بينما يتبع العنف مستوياتٍ أخرى من وسائل القوة والهيمنة؛ كالديماغوجيا الإعلامية، ونقل الألم بصورة مزوّقة، وتزييف الوقائع لتحسين صورة القاتل الجماعي، وترويج أشخاص مسؤولين، هم بالأساس عديمو الكفاءة، ولصوص، ومرتشون، وظالمون. وقد أثقلت كمية الآلام والأوجاع ذكريات السوريين، وأحلامهم، وآمالهم، وقلبت حياتهم رأساً على عقب.

الأسد وجمهورية “الظلام” الثالثة

 

عن قائد “جمهورية الظلام” الثالثة

عرضت مجلة لوبس LODS الفرنسية الفيلم الوثائقي (3 أجزاء)، والذي أخرجه المخرج البريطاني نيك غرين بمسلسل وثائقي، في أكتوبر 2018م، يُظهر فيه قصة تطور بشار الأسد، ذلك الفتى الذي لا يشعر بالثقة، والذي لم يكن متوقعاً له الوصول إلى السلطة لصبح قاتلاً جماعياً. ويعرض الجزء الثالث الذي حمل عنوان “ماذا بقي له من الإنسانية؟” يبدأ بمقابلة مع الطبيب السوري زاهر سحلول الذي التحق بكلية الطب في لندن مع رئيس الحكومة السورية بشار الأسد، وكان يعرفه جيداً، وهو يقول فيها “هذا مثير للسخرية، كنا زملاء، واليوم أحدنا يقصف المستشفيات، والآخر يعالج ضحايا القصف”. 




القائد القاتل الذي عرضته الصحافة الفرنسية على أنه كان خجلاً إلى درجة أنه يطأطئ عندما يُخاطبه أي إنسان، وأخرق إلى درجة أنه يكاد تفلت منه الأوراق التي كان يقرأ فيها أثناء جنازة شقيقه ماهر عام 1994م، كما أنه لم يكن في نظر والده حافظ يعوّل عليه ليكون رئيساً، فكيف أصبح بعد أن كان يريد أن يصبح طبيب عيون، طاغية على يديه دماء ما يقارب من مليون سوري؟

على حافة الموت: مواطنو جمهورية “الظلام” الثالثة 

كتب المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جويل رايبورن تغريدة على موقع “X”: “مناطق الحكومة السورية تفتقر إلى المحروقات والطاقة والتجارة، وشوارعها فارغة، بينما يستمر النظام بطبع العملة لدفع الرواتب فقط”. وفي نهاية 2010م، كان متوسط الراتب الحكومي في سوريا عند حد 8 آلاف ليرة سورية (170$ آنذاك). وأما اليوم في مطلع عام 2023، فيصل متوسط الراتب إلى 250 ليرة سورية (16$ لا غير). وبالمقابل ارتفع متوسط تكاليف المعيشة لعائلة مكونة من خمسة أفراد في جمهوريته لأكثر من 12 مليون ليرة سورية بداية عام 2024، وهو ما جعله يعمل على تخفيف تبعات الضغوط بعسكرة المجتمع، وتحويل العسكرة لمهنة كبقية المهن، وهو ما تم فعلاً من خلال التعاقد معهم كمرتزقة ضمن الميليشيات أو إرسال المرتزقة إلى أوكرانيا وإفريقيا تحت قيادة روسية. 

تحولت الحياة اليومية في مناطق الحكومة السورية “جمهورية الظلام الثالثة” أو كما سماها رأس النظام “سوريا المفيدة”، لحياة شبه مشلولة، ولم يعد لدى النظام ما يقدمه لأكثر من 10 ملايين سوري خاضع له. وبالكاد يستطيع الناس البقاء على قيد الحياة، والنسبة المئوية للفقراء تتزايد كل يوم، كما أدى النقص الحاد في الوقود، وغاز الطهي، والكهرباء إلى غياب الكهرباء، ووسائل التدفئة خلال فصل الشتاء القاسي هذا العام، في حين واصلت العملة السورية انخفاضها، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار ثلاثين ضعفاً في الحد الأدنى بين 2011 و2024م. وانخفضت نسبة الولادات، وازدادت عمليات الإجهاض خلال عام 2023 في مناطق سيطرة نظام الأسد، في ظل الغلاء، وتردي الأوضاع المعيشية. وأكدت إحدى الطبيبات المختصات لصحيفة تشرين “الموالية” أن حالتين إلى ثلاث حالات لنساء يرغبن بإجهاض الجنين ترد إلى عيادتها بشكل يومي. ولم يأتِ صراخ عدد من الفنانين الموالين للأسد على حالة التعاسة في مناطقهم عبثاً، وحين نادى الفنان وضاح حلوم رأس النظام متوسلاً: “وحدك تملك القدرة على الحل”، وهو نفسه الأسد أعلن من بداية تسلمه للحكم أنه “لا يملك عصا سحرية” يحل بها كل المشكلات، وهذا كان زمن الاستقرار السلطوي الذي أعقب فترة ربيع دمشق عام 2001م، فكيف اليوم في بلد أصبح فيه 90% من الناس دون خط الجوع؟ وما الحل للغز الموت؟ الحل الوحيد هم “المغتربون”، والذين هجرهم الأسد بآلات القتل والدمار، والذين تشكل تحويلاتهم لداخل جمهوريته نحو 5 ملايين دولار يومياً. 

وتمسكاً بمبدأ عدم الانحناء أمام العاصفة، ظل نظام الأسد يحاول ترويج نظرة تفاؤلية بين الساكنين في مناطقه في الحديث عن وصول الاستثمارات العربية عقب نهاية الحرب، والتمويل الصيني لمشاريع إعادة الإعمار، وتخفيف العقوبات الأمريكية، غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث ولا يبدو أنه سيكون قريباً. 

لم يسبب قانون قيصر أو المقاطعة العربية، هذه الحالة من الفقر، والبطالة، وتراجع الإنتاج، والتضخم، والاحتيال، والجرائم، والظلم والفساد، بل فساد أجهزة النظام، وتُجار الحرب الذين استفادوا، وأثروا منها “محدثي النعمة” هم السبب الأول. وقبل زيادة الرواتب التي أقرها رئيس الحكومة السورية، بشار الأسد، كان راتب المدرس السوري يشتري علبتي حليب فقط لطفل رضيع، بعيداً عن أيّ احتياجات أساسية أخرى، وفي حال أراد الاستغناء عن علبتي الحليب، يمكن أن يشتري له هذا المبلغ “بشق الأنفس” أساسيات طبخة واحدة تتكون من “كيلو واحد من لحم الغنم، و2 كيلو من الأرز، وعلبة سمن، وكيلو من البطاطا، وكيلو من الطماطم، وربطة خبز”. 

حجيم تحت الأرض لمن يقول لا 

ملأ نظام الأسد سجونه من بداية الثورة بالناشطين والرافضين لحكمه، وتحولت سجونه إلى مسالخ بشرية، حيث ترتكب مجازر وجرائم وإعدامات خارج القانون، ولم يفرِّق النظام بين الشيوخ والشباب وبين الرجال والنساء. وفي كتاب “الغولاك السوري: داخل معتقلات نظام الأسد” للباحثين الهولندي أوغور أوميت أنجور (أستاذ دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة أمستردام ومعهد NIOD)، ومعه الناشط الحقوقي السوري جابر بكر باحث، والذي اعتقل بين عامَي 2002 و2004 في سجنِ صيدنايا العسكري تتلخص حالة الظلام، إذ يستمد الكتاب اسمه من معسكرات الاعتقال السوفييتية المروعة، ويكشف عن مأساة المعتقلات والسجون في فترة حكم الأسدين الأب والابن في سوريا، ويعتمد الكتاب مجموعة من الشهادات، ويستند إلى مصادر تشمل مقابلات وتقارير ومذكرات ورسوم وخرائط وصور، بالإضافة إلى منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي. وأدلى حفار قبور (وهو موظف مدني يدفن الجثث بأماكن سرية) بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي عن شهادات قائلاً: “إنه دفن أطفالاً قضوا تحت آلات التعذيب، وإن ثلاث شاحنات كانت تأتي إليه كل أسبوع بمئات الجثث المكدسة، تراوحت أعدادها بين 300 إلى 600 جثة، ومصدرها فروع الأمن والمستشفيات العسكرية”. فالاعتقال والتصفية الجسدية هما مصير كل من يحتج على تسلط منظومة الأسد على رقاب الساكنين في جمهوريته المظلمة. 

المخدرات في جمهورية الظلام 

أراد الأسد بناء مجتمع متجانس (حسب الرؤية الأمنية الخاصة به: شعب من المساطيل)، وبنى الأسد وميليشياته بالتعاون مع إيران وحزب الله إمبراطورية من الكبتاغون، وصار تداول الأخبار المتعلقة بالمخدرات النابعة من مناطقه حدثاً شبه يومي، وعمليات ضبط الشحنات الخارجة من جمهوريته (مناطق سيطرته) إلى الحدود وفي المطارات والموانئ العربية والعالمية خبراً اعتيادياً؛ فمؤخراً في الأردن وحدها، تم ضبط ما يقارب 20 مليون حبة مخدرات، وأحبطت أكثر من 15 عملية تهريب خلال فترة وجيزة من الزمن على الحدود الأردنية فقط. وأشارت التقارير الطبية والحقوقية إلى تفشّي المهدّئات والحبوب المخدّرة في مناطق سيطرة نظام الأسد، ولا سيما بين ضحايا الحرب وطلبة الجامعات والمدارس أطفالاً ونساء ورجالاً، وبأسعار بسيطة لا يتجاوز الغرام الواحد نصف دولار فقط. وأن رأس النظام عملياً إنما يدير مافيا لنهب البلاد والاتجار بكل شيء، وأن الدخل الأكثر ربحاً للأسد هو المخدرات، فهناك 15 مصنعاً داخل إقطاعية الأسد تنتج: الكبتاغون، الأمفيتامين، الكريستال ميث وغير ذلك. ونشرت دير شبيغل في تقريرها، في يونيو 2021، أن رأس النظام يشرف شخصياً من خلف ابن عمه سامر الأسد على صناعة وتجارة المخدرات، عبر أطراف أربعة “القصر، الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، والحرس الثوري الإيراني، وحزب الله”. فالأضرار لا تقتصر على الفرد، بل تطال المجتمع وسياجه القيمي والأخلاقي، فالمخدرات تزيد الجريمة والعنف، وتُسهم بمزيد من الإفقار جراء استغلال المروجين والمهربين للمتعاطين. 

الدعارة في جمهورية “الظلام” 

تفاقم الأزمات الاقتصادية وتضاعف نسب الفقر في سوريا، تصاعدت ظاهرة استغلال النساء في مجال “الدعارة”، إذ أصبحت لها تجارتها الخاصة، ومستثمرون اجتازت أنشطتهم الحدود. وزاد أمر تسهيل الدعارة وترويجها على مستوى طالبات الجامعات والمدارس والنازحات من المدن الأخرى إلى دمشق، إما اغتصاباً وعنوة من ضباط الأسد وشبيجته، أو سوق الدعارة العلني في بيوت دعارة وصالونات تجميل ومقاهٍ، وكل هدفهن البقاء على قيد الحياة، مقابل مبالغ لا تتعدى 10 – 15 دولاراً في الساعة الواحدة. 

جمهورية الظلام بنكهة إيرانية وروسية 

تعزّز وضع سوريا، بوصفها رهينة في قبضة طهران وموسكو. وأصبح اقتصادها أكثر ارتباطاً بالمصالح الإيرانية، برفقة نظيرتها الروسية. وأصبح الأسد أكثر ضعفاً، وأقل استقلالية، وأصبح النفوذ الإيراني أكثر سطوة وشراسة عام 2024م. وغدت سوريا بنكهة إيرانية وروسية ثقافية واجتماعية واقتصادية وتعليمية، وغدت اللغتان الروسية والفارسية لغات أساسية في مراحل التعليم الأساسي، والهدف من ذلك كله تغيير الواقع الديموغرافي والعقائدي السوري بمرور الزمن، لخلق حالة التجانس التي تحدث عنها رأس النظام في جمهورية الظلام. 

وبالتالي لم ينفع تأهيل النظام العربي لبشار الأسد، الذي لم يكتفِ بتحويل سوريا إلى خرابة كاملة على حافة الإفلاس والمجاعة، وإنما بتسليم مناطقه للروس والإيرانيين، وتصدير أطنان من المخدرات إلى بلدان التطبيع التي ارتمى الأسد في أحضانها، وفي مقدمتها الأردن والسعودية. 

حول نظام الأسد سوريا، قلب الأمة النابض، إلى مزرعة لآل الأسد وعصاباتهم، بل وسجن كبير يتربع على عرشه عبر سياسة الرعب والظلم والقمع والإفساد والاستقواء بأعداء الشعب السوري، وسخَّر ويسخِّر كل مقدرات سوريا لمصلحة عائلته وحلفائه، وعمل على تدمير العائلات والقبائل وتفكيك المجتمع، وتهجير السكان، ونشر الفساد المالي والأخلاقي، فغابت عن جمهوريته التي سمّيتها جمهورية الظلام الثالثة (بعد الحرب)، المعايير الاجتماعية والأخلاقية الحقيقية، ولهذا حين يرى السوريون ما يجري في غزة ومأساتهم مستمرة، هم أكثر شعب يفهم جيداً معنى الاحتلال والقهر والظلم، ويدرك حجم المعاناة التي يمرّ بها أهل غزة اليوم، إذ إن كل ما يحدث الآن من دمار وقتل وتهجير في غزة على يد العدو الصهيوني، عاشه ويعيشه السوريون تحت حكم نظام الأسد، لدرجة أن التشابه الكبير بين إبادة “إسرائيل” ونظام الأسد، جعل البعض لا يميزون بينهما، وينشرون صوراً لتدمير سوريا، ومقاطع فيديو لقصف مدن داريا وحمص وإدلب، وبكاء أطفال أثناء حصار نظام الأسد لحلب على أنها مناطق في غزّة.


اشتري وجبة شاورما لـ شخص 1 من طاقمنا، (ادفع 5 دولار بواسطة Paypal) | لشراء وجبة اضغط هُنا


منشورات ذات صلة