عربية بنكهة فلسطينية

يتوافدون عليها بالآلاف منذ نصف قرن.. بلدة أوروبية جمعت أثرياء العرب والإسرائيليين ثم صارت طاردة للمسلمين فقط!

1٬130

يُحيط شيءٌ من الغموض بسبب اختيار العديد من الأثرياء العرب بلدة بيشتاني السلوفاكية، كوجهةٍ لقضاء عطلاتهم، بينما يبدو واضحاً لماذا قد يهجرها بعضهم؟

يقول البعض إنَّ الأمر بدأ في ستينيات القرن الماضي، حين أتى طيارون طموحون من الشرق الأوسط لخوض تدريب على الطيران في المطار القريب من البلدة. ويُشير آخرون إلى مدرب كرة قدم سلوفاكي ذهب إلى قطر منذ عقودٍ وأوحى إلى البعض بزيارتها.

وأياً كان السبب، فإنَّهم يتوافدون بالآلاف عليها كل صيف، مأخوذين بينابيعها الساخنة وطميها العلاجي ومنتجعاتها الصحية صغيرة.

وتمتد الينابيع الحارة في البلدة على طول جزيرةٍ صغيرة أمام مركز المدينة، وتقع تحت مسؤولية فندق ثيرميا بالاس، وهو أكبر الأماكن في البلدة وكان يستضيف أفراداً من أُسر ملكية أوروبية وأمراء هنود في الماضي.

والآن، صار من المُحتمل أكثر أن يجذب الفندق أميرةً كويتية، في ظل تحوُّل منطقة المشاة المركزية بالبلدة إلى مشهدٍ غير مُتوقَّع من نساء مسلماتٍ يرتدين ملابس تقليدية، ورجال يُدخِّنون الشيشة خارج محلات كباب، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ولم يكن ذلك يُمثِّل مشكلةً قط. حتى الآن.

لماذا بدأت تفقد بريقها للعرب؟

الموجة الشعبوية التي اجتاحت وسط أوروبا، والتي تُغذِّيها ردود الفعل العنيفة تجاه أزمة اللاجئين، تُلقي بظلالها على هذه الشرنقة المُدلَّلة العابرة للقوميات والتي تعتمد تماماً على زوار أثرياء من خارج البلاد. ولا شك في أنَّ التلميح بالتهديد يُثير أعصاب زوار البلدة المنتظمين ودهشتهم.

واعتاد أحد الزوار، ويُدعى حسن المخيال، طيلة عدة أعوام، جلب أسرته الكويتية إلى بيشتاني، حيث تتسم ليالي الصيف ببرودةٍ لذيذة مقارنةً بالحرارة الشديدة كحرارة “الفُرن” في وطنه.

وقال المخيال، البالغ من العمر 49 عاماً: “نحب هذا المكان بسبب السلام والهدوء”، وأومأت زوجته بالموافقة، مع ظهور عينيها من فتحةٍ ضيقة في النقاب الذي يغطي وجهها.

ولم يشهدا أي مضايقات طوال زياراتهما المتكررة سوى هذا العام (2017)، حين كانت زوجته تشتري بضائع من متجر تيسكو المحلي الكبير، وتعرَّضت للمضايقة من شابٍ غاضب سبَّها وطلب منها العودة إلى وطنها.

ولاحظ آخرون بعض التغيُّر كذلك.

إذ قال إلكنور بيردا، البالغ من العمر 69 عاماً، وهو يقطع شرائح الشاورما الناعمة، في محله الذي يحمل اسم “إسطنبول دونر-كباب” ويقع في المنطقة الرئيسية بالبلدة، إنَّ زبائنه المسلمين لم يكونوا يتعرضون لأي حادث قبيح على الإطلاق.

ولكن في أحد أيام العام الماضي (2016)، سار شابٌ محلي يبلغ من العمر 22 عاماً إلى المحل وبدأ في توبيخ المسلمين الجالسين على طاولات المحل بالهواء الطلق.

وقال بيردا، الذي انتقل إلى سلوفاكيا من تركيا حين كان عمره 34 عاماً: “كان مُفعماً بكراهيةٍ شديدة، وتشاجر مع أحد الزبائن. وفي وقتٍ لاحق من ليلة هذا اليوم، عاد الرجل وحطَّم جميع نوافذ المحل”.

وكان الحادث بارزاً بدرجةٍ كافية ليحتل الأخبار الوطنية بسلوفاكيا. وقال بيردا: “في صباح اليوم التالي، اتصل بي جميع زبائني السلوفاكيين والتشيكيين”. ونُظِّمت مسيرةٌ لدعمه. وزرع مواطنٌ سلوفاكي “شجرة تسامح” خارج محل الكباب.

ولكنَّ الحادثة كانت علامةً على تغيُّر المناخ العام، وفقاً لما ذكره مسؤولون محليون.

وقالت المتحدثة باسم المدينة، إيفا بيريتشوفا: “يشعر الناس بالجرأة أكثر فأكثر. ولا يستحيون من المجاهرة بقول أشياءٍ كانوا يخجلون من قولها سابقاً. ومن المُرجَّح أن يزداد الطين بلةً”.

العنصرية والفاشية في سلوفاكيا

وفي استطلاع الرأي الذي يجريه الاتحاد الأوروبي عن أكثر الدول التي تنتشر فيها مواقف التمييز العنصري تجاه الأجانب والمجموعات العرقية الأخرى، تحتل سلوفاكيا عادةً مركزاً متأخراً.

ويُذكر أنَّ الحزب الفاشي الجديد الذي يرأسه ماريان كوتليبا، والذي يحل ثالثاً في قائمة أقوى الأحزاب السلوفاكية وفقاً لاستطلاعات رأي، يضم عضوين برلمانيين من بيشتاني. يبدو أنَّ دعم التيار اليميني يتزايد.

وقالت إيفا في إشارةٍ إلى زي الحزب الرسمي: “يحضرون اجتماعات مجلس المدينة مرتدين قمصانهم الخضراء في بعض الأحيان، ثم أرادوا عقد اجتماعٍ بمركزنا الثقافي المحلي، ولكننا وضعنا حداً لذلك”.

وكثيراً ما تفاجأ إيفا بالدعم الخفي الذي يحظى به التيار اليميني.

وقالت إيفا: “ذهبت إلى المسبح مع صديقتي في إحدى المرات والتقينا بعض الأشخاص الآخرين. وبعد لحظاتٍ قليلة، حين بدأت المناقشات السياسية، أدركت أنني الوحيدة التي لم تصوِّت لكوتليبا. فشتموني ونعتوني بالساذجة”.

وقال محمد صفوان حسنة، رئيس المؤسسة الإسلامية في سلوفاكيا، إنَّ العديد من الساسة السلوفاكيين يؤجِّجون بحماسةٍ، نيران العداء ضد المسلمين.

وأضاف: “لا يريدون سوى الفوز في الانتخابات؛ ولذلك، يكتسب الناس جرأة متزايدة بعد حصولهم على إشارة من الساسة بأنَّ ذلك مسموح به”.

النقاب

والآن، هناك حملةٌ إلكترونية ضد المسلمين. وقال حسنة: “بدأت الصور تظهر على موقع فيسبوك في شهر أغسطس/آب 2017″.

إذ يلتقط يمينيونصوراً فوتوغرافية لبعض المسلمين الذين يرونهم في الشوارع، ثم ينشرونها على الإنترنت كـ”دليل” على كذب الحكومة بشأن عدد المسلمين بالبلاد. وتُزيَّف بعض الصور بطريقةٍ مُسيئة. وغالباً ما تعُجُّ التعليقات بالكراهية.

وأمسك حسنة هاتفه الجوال وعَرَض إحدى هذه الصور التي كانت تُظهر امرأةً مُسلمة ترتدي نقاباً وتُصلِّي في موقف سياراتٍ بأكبر مركز تجاري في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا.

وقال: “في البداية، حتى أنا ظننت أنَّها صورة حقيقية، وقلت لنفسي: لماذا تُصلِّي هذه المرأة في موقف سيارات؟ ولكن بعد ذلك، أدركت أنَّها مُزيَّفة بطبيعة الحال”.

جديرٌ بالذكر أنَّ سلوفاكيا، التي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة، تضم 5 آلاف مسلم، وليس بها مسجدٌ واحد. وتُعَد بيشتاني أحد الأماكن القليلة التي يُشعَر فيها بوجود المسلمين، ولكنَّ معظمهم زوار.

هذا ما أوقع العرب في حبائلها

وتقع مصحات بيشتاني على بعد 80 كيلومتراً من العاصمة السلوفاكية براتيسلافا، ومياهها تحتوي على درجات عالية من المعادن الحيوية، وحرارتها تتراوح بين 67 و69 درجة مئوية. وهذه المياه تعالج الكثير من الأمراض.

وتحولت مدينة بيشتاني السلوفاكية، منذ بضعة عقود، إلى نقطة التقاء للكثيرين من السياح والمرضى العرب الذين وجدوا في مصحات هذه المدينة، الواقعة على ضفتي نهر “الخاخ”، خير مكان لقضاء فترة من الزمن بين مفاتنها الطبيعية ومصحاتها الشهيرة التي اكُتشفت مطلع القرن الماضي، وأصبحت بفضل هذه الثروة واحدة من أبرز المناطق العلاجية والسياحية في العالم.

وحتى في موسم الشتاء الذي تهطل فيه الثلوج، فإن أجواءها وشوارعها وأحياءها المختلفة تشهد حضوراً كبيراً للزائرين من مختلف الجنسيات. فمصحاتها لا تتوقف بتأثير الفصول؛ بل تعمل في كل المواسم. أما سياحتها الشتوية، فهي الأخرى لا تتأثر بعامل البرودة ما دامت حماماتها وفنادقها ومتاجرها مجهزة بأحدث وسائل التدفئة والتكييف.

إسرائيليون

وقال مسؤولون في مجال السياحة إنَّ أكثر من نصف ليالي الإقامة التي بلغ عددها 619262 في العام الماضي ببشتاني- حجزها زوارٌ من دولٍ أخرى.

وحلَّل منتجع “بيشتاني سبا”، الذي يُدير منشآت البلدة الصحية، الضيوف الذين زاروا منتجعاته في العام الماضي وفقاً لجنسياتهم.

ومن بين 42575 ليلة إقامة، كان هناك ما يقرب من 12500 ليلة خاصة بمواطنين من المملكة العربية السعودية، أو الكويت، أو لبنان، أو الإمارات العربية المتحدة.

وكان هناك 1674 زائراً إضافياً من “دول آسيوية أخرى”، قال عنهم بعض مسؤولي المنتجع إنَّ جميعهم تقريباً جاءوا من مناطق أخرى من العالم الإسلامي. وهناك مجموعة كبيرة أخرى، تُمثِّل 6858 ليلة إقامة، أتت من إسرائيل.

وقالت مونيكا كوبوروفا، مديرة علاقات الزوار في فندق ثيرميا بالاس: “لا توجد مشكلةٌ في وجود أشخاص من إسرائيل بجوار أشخاصٍ من دول عربية؛ إذ يأتون لتحسين صحتهم، وليس لإثارة المشكلات”.

وفي أمسيات الصيف الباردة، يتردد زوارٌ مسلمون على بعض المقاهي المنتشرة على أرصفة البلدة.

وقالت إيفا: “كان بعض الأصدقاء في زيارةٍ إلينا، واصطحبناهم إلى وسط المدينة في المساء، وحتى نحن كنَّا مندهشين؛ إذ كنَّا السكان المحليين الوحيدين هناك”.

وقال بيردا الذي يدير محل إسطنبول دونر-كباب، إنَّ زيادة المواقف المعادية للمسلمين دفعت بعض زبائنه السابقين إلى قضاء صيفهم في أماكن أخرى.

ولكن، يبقى أن نرى إمكانية تسبُّب قوة هذه الرياح الجديدة من العداء للمسلمين في كسر عقودٍ من التعلُّق بين طمي بيشتاني العلاجي ودول الخليج التي تلفحها حرارة الصيف.

وقال المخيال، وهو يضغط على مجموعةٍ من الصور بهاتفه الجوال تُظهِر نحو 300 جَمَلٍ يمتلكها في الكويت، بالإضافة إلى سيارة من طراز فيراري، إنَّ أسرته ستستمر في جعل بيشتاني جزءاً من استراحتهم الأوروبية المعتادة. ولا تزال التلال الخضراء والغابات الضبابية تناديهم.

ولكن ابنته نورا، البالغة من العمر 22 عاماً، وهي مهندسة مدنية، لم تكن واثقةً بذلك.

وقالت: “إنها هادئةٌ بدرجةٍ كبيرة لا تناسبني”.