غـــــــــــزة

يـــــــــــوم

تحليلات وتحقيقات

في ظل مخاوف من اتساع رقعة التصعيد.. كيف أضرت الحرب على غزة باقتصاد مصر والأردن ولبنان؟

برغم العدد المرعب من الضحايا في قطاع غزة، والبؤس المؤلم المنتشر في المنطقة بسبب الحرب الجنونية التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين، جرى احتواء التأثير الاقتصادي الأوسع في الغالب حتى الآن، حيث عادت مستويات إنتاج النفط وأسعاره، اللتين تعدان محركاً حاسماً للنشاط الاقتصادي حول العالم وللتضخم، إلى مستويات ما قبل اندلاع الأزمة. ولا يزال السياح الدوليون يزورون بلاداً أخرى في الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات وقطر وغيرها. لكن الضرر الاقتصادي الذي طال أقرب جيران الفلسطينيين -وهم على وجه التحديد مصر ولبنان والأردن- كان شديداً بالفعل.

مصر والأردن ولبنان تأثرت بشدة من الحرب على غزة

يشير تقييم أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة، كلفت في الأشهر الثلاثة الأخيرة البلدان الثلاثة فقط 10.3 مليارات دولار، أو 2.3% من مجموع الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان. كذلك يُتوقع أن يقع 230 ألف مواطن في هذه البلاد في براثن الفقر.

حذر المحللون قائلين: “قد تتراجع التنمية البشرية بما لا يقل عن سنتين أو ثلاث سنوات في مصر والأردن ولبنان”، مع الإشارة إلى تدفقات اللاجئين، وارتفاع الدين العام، والانخفاض في التجارة والسياحة، التي تعد مصدراً حيوياً للإيرادات والعملة الصعبة والتشغيل.




ويردد هذا الاستنتاج صدى تحديثٍ نُشر في الشهر الماضي عن طريق صندوق النقد الدولي، قال إنه كان متأكداً من خفض توقعاته بالنسبة للبلاد الأشد تضرراً، عندما ينشر تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” في نهاية هذا الشهر.

قال جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، إنه ليس هناك وقت أسوأ من هذا لتأتي فيه هذه الضربات الاقتصادية المؤلمة المشهودة مؤخراً.

وتقول صحيفة The New York Times الأمريكية إن النشاط الاقتصادي في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كان في حالة انزلاق بالفعل، حيث انخفض النمو إلى 2% في عام 2023 بعد أن بلغ 5.6% في العام الذي سبقه. تورط لبنان في أزمة وصفها البنك الدولي بأنها أسوأ أزمة مالية واقتصادية منذ أكثر من قرن ونصف، وتقف مصر على حافة الإعسار.

خفض الإنفاق والاستثمار في دول الطوق 

في الأردن ولبنان ومصر، يدمر الغموض حول مسار الحرب ثقة المستهلكين ورجال الأعمال رويداً رويداً، وهو ما يرجح أن يؤدي إلى خفض الإنفاق والاستثمار، وذلك حسبما كتب محللو صندوق النقد الدولي.

لا تزال مصر، صاحبة أكبر تعداد سكاني في الوطن العربي، لم تتعافَ بعد من ارتفاع تكاليف الواردات الأساسية مثل القمح والنفط، وانهيار إيرادات السياحة، وتراجع الاستثمار الأجنبي، بسبب جائحة فيروس كورونا والحرب في أوكرانيا.

إذ إن البذخ في الإنفاق الحكومي على المشروعات الضخمة المبهرجة والأسلحة، أدى إلى ارتفاع الدين المصري للغاية. وعندما رفعت البنوك المركزية حول العالم معدلات الفائدة لكبح التضخم، تضخمت مدفوعات الديون المستحقة على مصر. وتواصل ارتفاعات الأسعار داخل مصر في النخر في عصب القدرة الشرائية للأسر المصرية، وفي خطط الشركات على التوسع.

قال لانديس: “لا يريد أي شخص الاستثمار، لكن مصر كبيرة للغاية على السقوط”، موضحاً أن الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي لا يُرجح أن يتركا البلد تتخلف عن سداد القروض الأجنبية البالغة 165 مليار دولار، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية والسياسية لمصر.

تضرر مصر هو الأكبر بعد التصعيد في البحر الأحمر

كذلك يمثل تراجع حركة مرور سفن الشحن التي تعبر البحر الأحمر عبر قناة السويس، أحدث ضربة تتلقاها البلاد. فبين شهري يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب، بلغ المتوسط الشهري لإيرادات مصر من قناة السويس -التي تمر عبرها 11% من التجارة البحرية العالمية-  862 مليون دولار.

قال جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي المتخصص في الأسواق الناشئة لدى شركة Capital Economics، إنه وفقاً لرئيس هيئة قناة السويس، انخفضت حركة المرور في الفترة الواقعة بين مطلع شهر يناير/كانون الثاني هذا العام حتى منتصف الشهر تقريباً بنسبة 30% والإيرادات بنسبة 40%، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وأوضح سوانستون: “تلك هي أكبر الآثار غير المباشرة”.

بالنسبة لهذه الأنظمة الاقتصادية الثلاثة التي تعاني، يعد تراجع السياحة مقلقاً على نحو خاص. ففي عام 2016، كانت السياحة في مصر والأردن ولبنان مسؤولة عن 35% إلى 50% من إجمالي صادرات السلع والخدمات للبلدان الثلاثة، وذلك وفقاً لصندوق النقد الدولي.

في مطلع يناير/كانون الثاني، كانت حجوزات التذاكر المؤكدة للمسافرين الدوليين القادمين إلى منطقة الشرق الأوسط عامةً خلال النصف الأول من هذا العام، أعلى بـ20% من العام الماضي، حسبما تشير شركة تحليل البيانات ForwardKeys، التي تتعقب حجوزات السفر الجوي الدولي.

ولكن كلما اقتربت البلاد من بؤرة القتال، يتزايد مستوى التراجع في أعداد المسافرين، إذ إن السفر إلى إسرائيل تبخر تماماً تقريباً، وهو ما يزيد من تضرر اقتصاد انقلب رأساً على عقب بسبب حرب واسعة النطاق.

على صفيح ساخن

وفي الأردن، انخفضت حجوزات السفر الجوي بنسبة 18%. وفي لبنان، التي تشهد اشتعال القتال بين إسرائيل وحزب الله عند الحدود اللبنانية الإسرائيلية على خلفية الحرب ضد غزة، انخفضت الحجوزات بنسبة 25%.

قال أوليفييه بونتي، نائب رئيس قسم الرؤى والأفكار لدى شركة ForwardKeys: “المخاوف من تزايد التصعيد الإقليمي، تلقي بظلالها على آفاق السفر في المنطقة”.

أسهم السفر والسياحة في لبنان سابقاً بخُمس إجمالي الناتج المحلي السنوي للبلاد. قال حسين عبد الله، المدير العام لشركة Lebanon Tours and Travels في بيروت: “الموقع الأول في لبنان هو مدينة بعلبك”. إذ إن “الأطلال الرومانية مترامية الأطراف التي يبلغ عمرها 2000 عام مذهلة للغاية، لدرجة أن الزوار أشاروا إلى أن الجن بنوا قصراً للملكة بلقيس، أو أن الكائنات الفضائية شيدت المكان ليكون منصة هبوط للمسافرين بين المجرات”. أوضح عبد الله أنها الآن “خالية تماماً”.

وأضاف أنه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تراجعت حجوزات شركته بنسبة 90% مقارنة بالعام الماضي. وتابع قائلاً: “إذا استمر الموقف بهذه الطريقة، فإن كثيراً من منظمي الرحلات السياحية في بيروت سوف يتوقفون عن العمل”.

كذلك انخفض السفر إلى مصر في شهر أكتوبر/تشرين ونوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول. ذكر لانديس أن أخاه ألغى زيارة خطط لها جنوب مصر، وأنه اختار السفر إلى الهند بدلاً منها.

قال خالد إبراهيم، المستشار لدى شركة أميسول للسياحة وعضو شبكة Middle East Travel Alliance، إن إلغاء الرحلات بدأ يتدفق بعد بدء الهجمات. ومثل منظمي الرحلات السياحية الآخرين، عرض خصومات على وجهات الوصول الشهيرة، مثل مدينة شرم الشيخ جنوب سيناء، بجانب أن نسبة الإشغال بلغت 80% من الوضع الطبيعي.

ويبدو إبراهيم أقل تفاؤاً بشأن إنقاذ ما تبقى من موسم السياحة الرئيسي. قال إبراهيم، من المدينة المنورة، حيث كان يقود رحلة سياحية: “أستطيع أن أقول إن هذا الشتاء، من يناير/كانون الثاني حتى أبريل/نيسان، سيكون صعباً للغاية”. وأوضح: “ربما تنخفض الأعمال إلى 50%”.


اشتري وجبة شاورما لـ شخص 1 من طاقمنا، (ادفع 5 دولار بواسطة Paypal) | لشراء وجبة اضغط هُنا


منشورات ذات صلة