متى تندلع الحرب بين إيران وإسرائيل؟ تمهل الدولتان لا تستطيعان تحمُّل تبعات المعركة، وهذا هو السيناريو الأقرب للحدوث

71

لا أحد حتى الان يعلم متى تندلع الحرب بين إيران وإسرائيل ، لكن في الحقيقة ، فتكلفة الحرب لا تستطيع طهران ولا تل ابيب تحملها ، ولكن هناك سيناريو أقرب للحدوث.

تبدو إيران غير حاضرة في العقل الجمعي الإسرائيلي هذه الأيام، وكذلك الاحتمال المتزايد بأنَّ إسرائيل ربما تجد نفسها تخوض حرباً مع الجمهورية الإسلامية.

هذا ما ذهبت إليه صحيفة Haaretz الإسرائيلية في تقرير لها عن احتمالية نشوب حرب بين إسرائيل وإيران، قالت فيه إن ما يشغل العقل الجَمعي الإسرائيلي في هذه الأيام، أوَّل أيام شهر أغسطس/آب 2018، هو البالونات الحارقة التي تقذف بها الرياح من ناحية غزة، واستقالة ضبَّاط الجيش الدروز احتجاجاً على قانون الدولة القومية اليهودية، وحقوق مجتمع المثليين ومزدوجي التوجُّه الجنسي والمتحوِّلين جنسياً، وكيفية الخلاص من آخر الأسابيع الأخيرة في عطلة الصيف حتى يعود الصِّغار إلى مدارسهم.

أما بورصة تل أبيب، فتتجه بشكل عام نحو الهبوط، لكنَّ هذا يرجع إلى انهيار أسعار أسهم الشركات التكنولوجية في بورصة وول ستريت، وكذلك بسبب آخر تغريدة حادة أطلقها ترمب حول حربه التجارية على الصين.

أجواء حرب باردة تتأرجح في المنطقة بين إيران واسرائيل

وتقول «هآرتس»: «كُنَّا نعايش حرباً باردة تتأجج تدريجياً وتزداد احتداماً ضدَّ إيران في سوريا؛ إذ ضربنا مراراً أهدافاً عسكرية إيرانية دون أن نشهد من جانب إيران الردّ المنتظر».

وفي تلك الأثناء، هدَّدت طهران، جراء ما تكابده من ألم العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليها ترمب وتغريداته المُهاجمة لها، بإغلاق مضيق هرمز، وتفيد تقاريرٌ بأنَّها تستعد لبدء مناوراتٍ عسكرية استباقية هناك.

وسبق أن قال مسؤولون أميركيون لـ»رويترز» الخميس 2 أغسطس/آب 2018، إن الولايات المتحدة تعتقد أن إيران بدأت إجراء تدريبات بَحْرية في الخليج، لتقدِّم بذلك موعد تدريبات سنوية على ما يبدو، وسط تصاعد التوتر مع واشنطن.

وقال مسؤول أميركي طلب عدم ذكر اسمه، إن هناك أكثر من 100 قطعة بَحرية مشارِكة في تلك التدريبات، بما يشمل قوارب صغيرة. وتوقع مسؤول ثانٍ أن تُختتم التدريبات خلال أيام.

وتشعر إيران بالغضب من قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات على طهران. وحذر مسؤولون إيرانيون كبار من أن الجمهورية الإسلامية لن ترضخ بسهولة لحملة أميركية جديدة لحظر صادرات النفط الإيرانية.

أما في البحر الأحمر، فأطلقت ميليشيات الحوثي الموالية لإيران صواريخ على ناقلتي نفط سعوديتين الأسبوع الماضي؛ ما دفع السعوديين إلى تعليق عمليات الشَّحن عبر مضيق باب المندب، ودفع نتنياهو إلى تحذير إيران بأنَّ إسرائيل ستنضمِّ إلى أي تحالفٍ عسكري دوليّ يتشكَّل بغرض منع غَلق مضيق باب المندب.

لكن يرى البعض أن هذه الأجواء لا تخرج عن الاستعراض للترهيب بين الطرفين

وتذهب الصحيفة إلى أن هذه الأجواء التصعيدية ما هي إلا محضُ كلام استعراضي يهدف إلى ترهيبٍ متبادل بين الدولتين، ولا يرتقي إلى مرحلة التمهيد لمواجهةٍ عسكرية فعلية. فمِن عادة طهران أن تستخدم لغة خطابٍ تحريضية، وهي الآن قد وجدت أخيراً نداً لها في رئيسٍ أميركي يردُّ على النغمة نفسها.

وكان الميجر جنرال محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، قال يوم الثلاثاء  31 يوليو/تموز 2018، إنَّ عرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المبدئي بإجراء محادثات مع طهران  «غير مقبول»، قائلاً إن إيران ليست كوريا الشمالية.

الميجر جنرال محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني

وكان ترمب قد قال يوم الإثنين 30 يوليو/تموز 2018، إنه على استعداد للقاء الرئيس الإيراني دون شروط مسبقة؛ لبحث كيفية تحسين العلاقات بعدما سحب ترمب الولايات المتحدة من اتفاق إيران النووي المبرم عام 2015.

ونقلت وكالة فارس للأنباء عن جعفري قوله: «السيد ترمب، إيران ليست كوريا الشمالية كي تقبل عرضك بعقد اجتماع. حتى رؤساء الولايات المتحدة الذين سيأتون بعدك لن يروا هذا اليوم».

ومع ذلك فالمستفيد من حالة التصعيد الحالية هو إيران والشعب هناك

ومع ذلك، فإنَّ أياً من الأطراف -سواء إيران، أو الولايات المتحدة، أو إسرائيل- لا يريد للأمور أن تصل لدرجة اشتباكٍ عسكري مفتوح، لكنَّ هذا ما قد يحدث فعلاً.

إذا افترضت واشنطن أو طهران أنَّ الطرف المقابل لا يريد الحرب، فقد يشعر زعماء البلدين بأريحيةٍ أكبر في التصعيد تدريجياً، بأن يصبح التهديد المُبهَم محدَّداً مثلاً، أو أن تقع حادثة إيقاف ناقلة نفطٍ في الخليج (كما كان من الممكن أن يحدث في البحر الأحمر)، أو أن يسمح طرفٌ لأحد وكلائه في المنطقة بالقيام بفعلٍ استفزازي مثل إطلاق بضعة صواريخٍ على هدفٍ للطرف الآخر.

بل ربما يجد قادة إيران، في ظلِّ انهيار الاقتصاد واضطراب الشارع الإيراني، في الدخول بحرب يسيرة لهم مَخرجاً مما هم فيه. وإن لم تقُم تلك الحرب مع الولايات المتحدة، فربَّما تكون مع إسرائيل. إنَّ أمراً كهذا من شأنه أن يُحدث اصطفافاً من جموع الإيرانيين خلف النظام، وربما يمكِّن طهران من الدخول في مفاوضاتٍ مع واشنطن بشيءٍ من الشرف.

ويقول مسؤولون أميركيون إن سياسات ترمب تزيد بالفعل الضغوط على الاقتصاد الإيراني وإن كانت معلومات الاستخبارات الأميركية تشير إلى أنها قد تحشد الإيرانيين في نهاية المطاف ضد الولايات المتحدة، وتعزز وضع حكام إيران المتشددين.

وهبطت العملة الإيرانية إلى مستويات جديدة هذا الأسبوع، في حين يستعد الإيرانيون ليوم الـ7 من أغسطس/آب 2018، وهو الموعد المقرر لتعيد واشنطن فرض أول دفعة من العقوبات الاقتصادية بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي.

وخرج عدد من الاحتجاجات في إيران منذ بداية العام (2018) على ارتفاع الأسعار ونقص المياه وانقطاع الكهرباء وما وصفه متظاهرون بالفساد.

واحتشد المئات يوم الثلاثاء 31 يوليو/تموز 2018، في عدة مدن مثل أصفهان وكرج وشيراز والأهواز؛ احتجاجاً على ارتفاع التضخم، ومن بين أسبابه ضعف الريال الإيراني.

لكن بطبيعة الحال، لن يخرج أحد فائزاً إذا اندلعت حرب بين إيران واسرائيل

وهناك عدة سيناريوهاتٍ محتملة لكيفية حدوث الحرب بين إيران وإسرائيل والصورة التي سيكون عليها، لكن على أية حال، فإنَّ المخاطر التي قد يحملها ذلك لإسرائيل ستكون هائلة.

وقالت الصحيفة إنه «منذ حرب لبنان عام 2006، اعتدنا فكرة أنَّ حرب الصواريخ لا تمثِّل خطراً وجودياً على حياة الإسرائيليين ولا على الاقتصاد الإسرائيلي، لا سيما في ظل وجود منظومة القبة الحديدية لحمايتنا».

لكن، وكما شرح الجيش الإسرائيلي لمجلس الوزراء قبل بضعة أسابيع، من المحتمل أن تكون حرب الصواريخ المُقبلة بين إيران وإسرائيل على نطاقٍ أكبر كثيراً من نطاق سابقاتها.

السيناريو الأرجَح هُنا ليس هجوماً مباشراً من جانب إيران ضر إسرائيل؛ بل هجومٌ ينفِّذه حزب الله، الذي يملك ما يقدَّر بـ130 ألف صاروخ في لبنان، 90% من تلك الصواريخ قادرة على الوصول إلى مدينا حيفا. لا يوجد في معظم البيوت بإسرائيل أنظمة دفاعية فعالة ضدَّ التعرض لهجومٍ صاروخي، وكذلك الحال في معظم منشآت البنية التحتية الحسَّاسة.

ويعلم الجيش الإسرائيلي أنَّ القبة الحديدية لا يمكنها توفير دفاعٍ فعَّال في حالة إطلاق مئات الصورايخ في يومٍ واحد. وإن قرَّرت حركة حماس هي الأخرى فتح جبهةٍ ثانية من جهة غزة، فإنَّ الوضع على الجبهة الداخلية الإسرائيلية سيصبح مأساوياً.

يتمثَّل الدفاع المدني بحربٍ كهذه في إجلاء مئات الآلاف من القاطنين في نطاق مدى الصواريخ؛ ما سيسفر عن اضطرابٍ اقتصادي مهول. وسيعني هذا أيضاً إيقاف العمل في منصَّة النفط البحرية «تمر» التي تمدُّ البلاد بنسبةٍ هامَّة من الوقود المستخدم لتوليد الكهرباء لإسرائيل. ستضطر إسرائيل للجوء إلى استخدام الاحتياطية المخصصة لحالات قَطع التيار الكهربي؛ لمواكبة عجز الوقود، ما يفاقم سوء الوضع الاقتصادي.

ويبقى الوضع ضبابياً مع تأكيد أن الاقتصاد العالمي معرَّض للتهديد حال نشوب الحرب

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لإسرائيل -على الأرجح- الخروج من حربٍ قصيرة دون ضررٍ يُذكَر، بافتراض أنَّ تلك الحرب لن تُسفِر عن خسائر جسيمة في الأرواح أو ضررٍ ماديّ جلل.

لكنَّ خوضها نزاعاً طويلاً قد يحمل إشكاليةً أكبر بكثير؛ إذ لن يقتصر تأثير هذا على أن يلحق بالدولة ضررٌ مباشرٌ بالغ؛ بل سيحطم سمعة إسرائيل كدولةٍ ذات اقتصادٍ فولاذي قادر على الصمود في وجه الحرب.

في هذه الحالة، سيتردَّد المستثمرون في ضخّ أموالهم إلى إسرائيل، وستُضرب السياحة في مقتل، وستصبح فاتورة إصلاح الأضرار عبئاً يُثقِل كاهل الاقتصاد الإسرائيلي أعواماً عدة.

ثمة مخاطر تتهدد الاقتصاد العالمي أيضاً، إذا ما قررت إيران تصدير الحرب إلى الخليج أو إلى البحر الأحمر أو إلى كليهما.

وهذا افتراض منطقيّ؛ إذ إنَّ هذين هما الموضعان الوحيدان اللذان تستطيع إيران أن تتوقَّع إحداث أثر فعليّ على المشهد الدولي من خلالهما؛ إذ يمرُّ خُمس نفط العالم تقريباً بمضيق هرمز، وكذلك يحظى البحر الأحمر بنسبةٍ هامة أخرى من الحركة المرورية البحرية.

لا تملُك إيران القدرة البحرية الكافية لإغلاق المضيقين فترة طويلة، لكن باستخدام ترسانتها من الزوارق السريعة والألغام البحرية، يمكنها إغلاقهما فترات وجيزة وخلق اضطرابٍ كافٍ في المنطقة يُثني ناقلات النفط عن المخاطرة بالقيام برحلةٍ عبرها حتى وإن كانت مفتوحة.

وفي البحر الأحمر مثلاً، قد جعلت تلك الأساليب السعوديين يوقِفون سير ناقلات النفط التابعة لهم من خلاله بالفعل.

إذا ما نجحت إيران في تعطيل المسار الدولي للنفط، فسترتفع أسعاره ارتفاعاً فلكيّاً، أعلى حتى من السعر القياسي الذي بلغه في عام 2008 بسعر 147 دولاراً للبرميل الواحد.

وربما تفشل بعض الدول المُعتمدة على الخليج، في الحصول على النفط بأي سعرٍ كان. وقد يجد الاقتصاد العالمي، ذلك الذي يتعثَّر الآن بالفعل على يد الحرب التجارية، نفسه في الطريق إلى ركودٍ اقتصادي جديد.