غـــــــــــزة

يـــــــــــوم

تقارير

“لا يمكن تجاوز الفلسطينيين”.. كيف عاد الشرق الأوسط على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية؟

تواجه الولايات المتحدة مصاعب جمَّة في مواجهة مساعيها الرامية إلى تقوية تدخلها الدبلوماسي والعسكري في الشرق الأوسط وبحث إنهاء الحرب الوحشية في غزة، ودحر النفوذ الإيراني، كما تقول صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية.

وبدأ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، يوم الأحد 4 فبراير/شباط، جولته الخامسة إلى الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، والهدف المعلن للولايات المتحدة هو الوصول إلى هدنة ممتدة للقتال، وإطلاق سراح نحو 130 أسيراً إسرائيلياً ما زالوا محتجزين في غزة مقابل أسرى فلسطينيين، وترى إدارة بايدن أن هذه الخطوة حاسمة في مسارها لبلوغ أهداف أكبر طموحاً.

الصراع في الشرق الأوسط أصبح أكثر إلحاحاً في السياسة الخارجية الأمريكية

من الناحية العسكرية، فقد سعت الولايات المتحدة إلى كسب مزيدٍ من الوقت لجهودِها الدبلوماسية بدفعِ وكلاء إيران إلى مأزق الدفاع عن النفس، إذ وُصفت الغارات التي شنتها القوات الأمريكية يوم الجمعة 2 فبراير/شباط بأنها أقوى ردٍّ تتخذه الإدارة الأمريكية الحالية في مواجهة الميليشيات المدعومة من طهران في العراق وسوريا، وقد أعقبته بهجمات على الحوثيين في اليمن في اليوم التالي.

ومع ذلك، تواجه المساعي التي تبذلها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عقبات هائلة، ليس أقلها التنازلات الصعبة التي ينبغي أن يقدمها جميع الأطراف لبلوغ الأهداف التي ترجوها الإدارة الأمريكية. وفي حين أن البيت الأبيض كان يأمل إلحاق قضايا الشرق الأوسط بمرتبة أدنى في سلم الأولويات بعد الصين وأوكرانيا، إلا أنه من الواضح الآن أن المنطقة وقضاياها عادت لتكون أكثر التحديات إلحاحاً في السياسة الخارجية الأمريكية.

من جهة أخرى، يرى مارتن إنديك، المبعوث الأمريكي الخاص السابق للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية والسفير السابق لدى إسرائيل٬ أن “حرب غزة، مثل أي حرب أخرى، ينشأ عنها فرص لتغيير النهج تجاه الصراع الطويل الأمد المرتبط بها”، وقد باتت إدارة بايدن تدرك الآن “أنها لا تستطيع تحقيق أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط إلا إذا أنشأت مساراً أكثر استدامة لحلِّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”.

إدارة بايدن أدركت أنها لا يمكنها تجاوز الفلسطينيين

كانت إدارة بايدن تسير في ربيع العام الماضي على مسار مختلف إلى حدٍّ بعيد. وتمثلت استراتيجيتها في تشجيع التقارب الإسرائيلي السعودي ظناً بأن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين تحتلهما إسرائيل، لا يملكون من التأثير إلا القليل ويمكن تجاوزهم، وأنهم سيضطرون في نهاية المطاف إلى القبول بترتيبات الحكم الذاتي التي قد تُقدَّم إليهم. وتوقعت الإدارة ألا تواجه مصالحها في المنطقة تحديات عسكرية كبيرة، ومن ثم قلصت كذلك البصمة الدفاعية الأمريكية (الحضور العسكري) في المنطقة.

وكتب مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، في مقال بمجلة The Foreign Affairs الأمريكية: “على الرغم من أن الشرق الأوسط لا يزال يواجه تحديات دائمة، فإن المنطقة أصبحت أكثر هدوءاً مما كانت عليه منذ عقود”. وقد نشر هذا المقال قبل وقت قصير من هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ثم أُجريت تعديلات بعد ذلك في النسخة المنشورة على الإنترنت.

في غضون ذلك، قال خبراء أمريكيون في شؤون الشرق الأوسط إن تزايد حصيلة الضحايا الفلسطينيين في غزة تسبب في “تعكير الأجواء” بالمنطقة، وصارت الاستراتيجية الأمريكية تميل الآن إلى الدعوة لمعالجة معضلة السلام في الشرق الأوسط بإعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية.

وقد أصبح تعزيز آمال الفلسطينيين في إقامة دولة خاصة بهم شرطاً أساسياً لمتابعة التطبيع الإسرائيلي السعودي، وتمهيد الطريق أمام إنشاء تحالف واسع النطاق لمناهضة النفوذ الإيراني في المنطقة٬ كما تقول “وول ستريت جورنال”.

وقال فرانك ماكنزي، الجنرال الأمريكي المتقاعد والقائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية التي تشرف على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، إن “الحرب تجلب بعض الفرص، وهناك فرصة سانحة للاغتنام هنا”.

إدارة بايدن تخشى الفشل في الشرق الأوسط مع اقتراب الانتخابات الأمريكية

وفي ظل تصاعد الأجواء السياسية لاقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإن التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية وإنهاء القتال في غزة يمكن أن يمكِّن البيت الأبيض من الردِّ على المنتقدين من اليسار الديمقراطي الذين اشتكوا من أن إدارة بايدن أفرطت في التعاطف مع إسرائيل حين قررت ألا تهددها بتقليص الدعم العسكري رداً على ما تفعله في غزة.

ومع ذلك، فإن انهيار المساعي الدبلوماسية قد يضر بفرصِ بايدن في الفوز بالانتخابات، لا سيما إذا فقد الأصوات في ولاية ميشيغان، التي يقطنها عدد كبير من الأمريكيين ذوي الأصول العربية.

ولا تقتصر المصاعب التي تواجه مساعي إدارة بايدن في بلوغ إنجازها الدبلوماسي على ذلك، بل تشمل أيضاً تأمين التعاون من إسرائيل، لا سيما وقد أعلن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو معارضته التامة لإقامة دولة فلسطينية. ولا بد للإدارة الأمريكية كذلك أن تحافظ على الدعم السعودي لمساعيها، وهذا الأمر يتطلب على الأرجح إتمام معاهدة الدفاع الأمريكية السعودية، وتأمين التصديق عليها في مجلس الشيوخ.

وتقول “وول ستريت جورنال” إن الإدارة الأمريكية ترى أن السلطة الفلسطينية يجب أن تخضع للإصلاح حتى تتمكن من المساعدة في حكم الضفة الغربية وقطاع غزة بتأييدٍ من الجمهور الفلسطيني. إلا أنه حتى لو حدث ذلك، فإن القبول بالأمر لا بد أن يتضمن كذلك تجاوز المخاوف العميقة لدى بقية الأطراف، ومنهم الإسرائيليون الذي ما زالوا قلقين من تمكين المساعي لإقامة دولة فلسطينية بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.

قال دينيس روس، المسؤول البارز السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارة جورج بوش الأب وبيل كلينتون، إن الولايات المتحدة “عليها التوفيق بين المخاوف الإسرائيلية من قيام دولة فلسطينية سوف تهيمن عليها حتماً حماس، أو جماعة شبيهة بها، وبين حاجة السعودية والإمارات والدول العربية عموماً لتحقيق إقامة الدولة الفلسطينية”٬ على حد تعبيره.

وقال روس، الذي يعمل الآن في مركز أبحاث “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” الأمريكي، “إن كل المكونات موجودة للمضي في تحرك استراتيجي أكبر”، إلا أن “التحدي الأصعب هو كيفية الجمع بين هذه المكونات معاً”.

جولة أمريكية خامسة في الشرق الأوسط لمحاولة تحقيق بعض “الإنجازات”

ترمي رحلة بلينكن إلى المنطقة إلى إرساء الأساس لهذا المسار، وذلك بالوصول إلى اتفاق لتحرير الأسرى في غزة، وترى الإدارة الأمريكية أن هذه الخطوة من شأنها أن تفسح المجال لمسارٍ دبلوماسي أكثر طموحاً.

وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي، الأحد 4 فبراير/شباط، إن إدارة بايدن تضغط بشدة من أجل التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى، لا سيما أن منهم حاملين للجنسية الأمريكية، إضافة إلى إقرار هدنة من القتال لتسهيل إيصال المساعدات إلى غزة.

وقال سوليفان عن صفقة الأسرى المحتملة في برنامج Face the Nation على شبكة CBS الأمريكية: “إنها أولوية قصوى بالنسبة إلينا”، و”الحكومة الإسرائيلية ينبغي أن توضح ما إذا كانت هذه أولوية قصوى بالنسبة إليهم أم لا”.

يأتي كل ذلك في وقت تقول فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها إنها تشن ضربات عسكرية على القوات الوكيلة لإيران في المنطقة، لكبحِها عن مهاجمة القوات الأمريكية، وعرقلة التجارة الدولية في البحر الأحمر، وتعطيل الجهود الدبلوماسية الأمريكية.

هاجمت الولايات المتحدة، الجمعة 2 فبراير/شباط، أكثر من 85 هدفاً في أقصى غرب العراق وشرق سوريا. وقال تشارلز ليستر من مركز أبحاث “معهد الشرق الأوسط” في واشنطن، إن هذه الضربة كانت أكبر عمل عسكري شنته الولايات المتحدة على وكلاء إيران في سوريا والعراق منذ حرب العراق.

وقال ليستر: “يرى هؤلاء الوكلاء وإيران نفسها أنهم منخرطون في صراع استنزاف طويل الأمد في مواجهة الولايات المتحدة”، ومن ثم “فهم يرون هذا الهجوم زوبعة على الطريق بالنسبة إليهم، ولو في الوقت الحالي على الأقل”.

أما الإدارة الأمريكية، فترى أن حساباتها تقوم على الجمع بين الدبلوماسية والاستخدام الحازم للقوة، وتسعى بذلك إلى تعزيز النفوذ لبلوغ أهدافها في منطقة أثبتت في كثير من الأحيان مقاومتها العنيدة للمبادرات الأمريكية٬ كما تقول “وول ستريت جورنال”.

ويرى إنديك، المبعوث الأمريكي الخاص السابق للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية والسفير السابق لدى إسرائيل، أن “المساعي الأمريكية تواجه تحديات كبيرة، إلا أن بايدن ومستشاريه يستحقون الإشادة لسعيهم إلى اغتنام الفرصة وإحداث خطوة نوعية ذات عواقب استراتيجية. إلا أن الأمر يحتاج إلى تعاون كثير من أطراف غير متعاونة”.


اشتري وجبة شاورما لـ شخص 1 من طاقمنا، (ادفع 5 دولار بواسطة Paypal) | لشراء وجبة اضغط هُنا


منشورات ذات صلة