غـــــــــــزة

يـــــــــــوم

تقارير

ماذا يحدث في السنغال؟ قرار رئاسي يشعل الاحتجاجات في الدولة الأفريقية، وهذا ما نعرفه عن أبعاد الأزمة

تشهد داكار، عاصمة السنغال، ومدن أخرى، احتجاجات حاشدة وإطلاق الشرطة قنابل الغاز، فماذا يحدث في الدولة الأفريقية التي لم تشهد انقلابات، وهي حالة نادرة تماماً؟

كانت الشرطة السنغالية قد شنّت، الأحد 4 فبراير/شباط، حملة تهدف لقمع احتجاجات نظمتها المعارضة رفضاً لتأجيل الانتخابات الرئاسية، بينما يستعد البرلمان لمناقشة مشروع قانون من شأنه الدعوة لإجراء الانتخابات في أغسطس/آب المقبل وتمديد ولاية الرئيس الحالي ماكي سال.

السنغال.. تداول نادر للسلطة

السنغال دولة تقع في غرب أفريقيا، وهي عضو في الاتحاد الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وكانت مستعمرة فرنسية نالت استقلالها عام 1960، وتبلغ مساحتها أقل من 200 ألف كم مربع وعدد سكانها نحو 14 مليون نسمة.

وعلى عكس مستعمرات فرنسا السابقة في القارة السمراء، تمتعت السنغال تاريخياً منذ الاستقلال بالتداول السلمي للسلطة وغابت عنها الانقلابات العسكرية، وذلك على الرغم من وجود تمرد مسلح في إقليم كازامونس الجنوبي، الذي يسعى سكانه إلى الانفصال عن البلاد.

ويتركز اقتصاد السنغال في الغالب على السلع والموارد الطبيعية، ومن أهم الصناعات تجهيز الأسماك؛ حيث تتمتع البلاد بشواطئ ممتدة على المحيط الأطلنطي من جهة الغرب. كما توجد بها صناعات مرتبطة بتعدين الفوسفات وإنتاج الأسمدة وتكرير البترول ومواد البناء، وبناء السفن وإصلاحها. لكن تظل الزراعة هي القطاع الرئيسي، وتنتج السنغال العديد من المحاصيل النقدية الهامة؛ منها الفول السوداني وقصب السكر والقطن وغيرها. ونظراً للاستقرار النسبي الذي تتمتع به السنغال، تمثل السياحة أيضاً مصدراً من مصادر الدخل.

اللغة الرسمية للسنغال هي الفرنسية، على الرغم من أن غالبية السكان لا يتحدثون بها، وهناك أكثر من 36 لغة يتحدث بها السنغاليون، منها اللغة العربية. الإسلام هو ديانة الغالبية الساحقة من السنغاليين (أكثر من 95%) وأقل من 5% هم مسيحيون. لكن الدستور السنغالي ينص على أنها دولة علمانية.

رئيس السنغال وتعديل الدستور

الدستور السنغالي ينص على أن الرئيس لا يحق له البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين، وكانت مدة الفترة الرئاسية 7 سنوات، واستمر ذلك حتى عام 2001 حينما تم تعديل المدة لتصبح 5 سنوات. حدث ذلك خلال فترة حكم الرئيس عبد الله واد. لكن عام 2008، تم تعديل الدستور مرة أخرى لتصبح فترة الرئاسة 7 سنوات مرة أخرى.

تولى الرئيس الحالي، ماكي سال، السلطة في انتخابات عام 2012 خلفاً لعبد الله واد، ثم أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية عام 2019، لكن هذه المرة من المفترض أن تنتهي فترته الثانية في العام الجاري 2024، وذلك بعد أن شهدت البلاد تعديلاً جديداً للدستور أعاد مدة الفترة الرئاسية إلى 5 سنوات بدلاً من 7.

ماذا يحدث في السنغال؟ قرار رئاسي يشعل الاحتجاجات في الدولة الأفريقية، وهذا ما نعرفه عن أبعاد الأزمة

هذا التعديل الدستوري الأخير تم اعتماده عام 2016، وشمل مقترحات عديدة؛ منها الاعتراف الدستوري بزعيم المعارضة في البلاد وتعزيز صلاحيات السلطات المحلية في الأقاليم، إضافة إلى تقصير مدة الرئاسة إلى 5 سنوات بدلاً من سبع. وقتها كان الرئيس ماكي سال يقضي فترته الرئاسية الأولى وعارض بشدة هذا التعديل، إلا أنه توصل لاتفاق مع البرلمان ألا يتم تطبيقه على فترته الرئاسية الأولى.

وهكذا أصبح التعديل سارياً بعد انتهاء فترة ماكي الأولى عام 2019. انتخب ماكي لفترة رئاسية ثانية تنتهي مطلع أبريل/نيسان 2024، لكن تلك الانتخابات أفرزت وجوهاً معارضة، أبرزها المعارض الشاب عثمان سونكو، الذي حل ثالثاً في انتخابات 2019 وحصل على 19% من أصوات الناخبين.

هل من حق ماكي سال الترشح لفترة رئاسية ثالثة؟

أصبح بقاء سال في السلطة بعد انتهاء ولايته الثانية، مارس/آذار 2024، أو ترشحه لولاية ثالثة، مسألة خلافية بشدة في المشهد السياسي السنغالي خلال العامين الماضيين وشهدت البلاد موجة من العنف.

إذ أثار الحكم على أحد أبرز قادة المعارضة، عثمان سونكو، بالسجن، أسوأ اضطرابات تشهدها السنغال منذ سنوات، أسفرت عن مقتل 16 شخصاً على الأقل حسب السلطات، و23 شخصاً حسب منظمة العفو الدولية غير الحكومية، و26 شخصاً كما تقول المعارضة. فقد رفض سونكو، الذي اعتبر محاكمته مؤامرة، حضور جلساتها.

وفرضت عليه قوات الأمن البقاء في منزله في داكار؛ حيث يعتبر نفسه “محتجزاً”، وذلك منذ أواخر مايو/أيار 2022، وبرر وزير الداخلية أنطوان ديومي “القيود” المفروضة على سونكو بدعواته إلى “المقاومة”.

وقال ديومي إن “أي شخص يقف ليقول إنه سيشكل قافلة (موكب) وأنه سينظم تجمعات من دون إعلان (مسبق)… ونرى قتلى، هل نسمح له بالتجول في جميع أنحاء السنغال وبتنظيم تجمعات ونحصي القتلى بعد ذلك؟”.

هذه الاحتجاجات أجّجتها التكهنات بشأن موقف ماكي سال من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، في ظل رفض الرئيس حسم موقفه من السعي للفوز بفترة رئاسية ثالثة، مبرراً ذلك بأن ولايته الثانية (من 2019 إلى 2024) تعتبر الولاية الأولى في ظل التعديلات الدستورية التي تم إقرارها عام 2016 بتقصير الفترة الرئاسية من 7 إلى 5 سنوات.

وتزامنت هذه التكهنات مع إجراءات تضييق بحق زعماء المعارضة في البلاد، خاصة عثمان سونكو، الذي ينتمي إلى إقليم كازامانوس الانفصالي. فقد تم توجيه اتهامات لسونكو بالاغتصاب والسب والقذف بحق وزير السياحة في البلاد، وتم الحكم عليه بالسجن في القضية الأخيرة، وهو ما نددت به المعارضة واعتبرته اضطهاداً سياسياً من جانب النظام بحق أحد قادة المعارضة.

ماذا يحدث في السنغال؟ قرار رئاسي يشعل الاحتجاجات في الدولة الأفريقية، وهذا ما نعرفه عن أبعاد الأزمة

ومع ازدياد حدة الاحتجاجات المعارضة لماكي، ألقى الرئيس خطاباً عبر التليفزيون الرسمي، في مارس/آذار 2023، نافياً فيه نيته الترشح لفترة رئاسية جديدة في عام 2024، لينهي التكهنات بأنه سيسعى للفوز بولاية ثالثة. وقال سال: “السنغال تتجاوز شخصي، وهي مليئة بالقادة القادرين على دفع البلاد نحو النهوض. كان هناك الكثير من التكهنات بشأن ترشحي لهذه الانتخابات… ركزت أولوياتي قبل كل شيء على إدارة بلد وفريق حكومي متماسكين، والتزمت بالعمل من أجل النهوض، لا سيما في سياق اجتماعي-اقتصادي صعب”.

وأكد الرئيس السنغالي: “ضميري وذاكرتي مرتاحان لما قلته، كتبته وكررته، هنا وفي الخارج، أن ولاية 2019 كانت ولايتي الثانية والأخيرة”.

ما سبب تأجيل الانتخابات الرئاسية في السنغال؟

كان من المفترض أن تهدأ الأوضاع في السنغال بعد هذا التعهد من الرئيس سال بألا يسعى للفوز بولاية ثالثة، فما الذي حدث وأدى إلى انفجار الأوضاع إذاً؟

أعلن سال، مساء السبت 3 فبراير/شباط، أن الانتخابات الرئاسية، التي كانت مقررة في 25 فبراير/شباط الجاري، سيتم تأجيلها إلى موعد غير محدد، معللاً قراره بوجود خلاف على قائمة المرشحين للرئاسة، وهي الخطوة التي نددت بها جماعات المعارضة والمجتمع المدني ووصفتها بأنها “انقلاب مؤسسي”.

وجاء في مشروع القانون، الذي اطلعت عليه رويترز، أن المشرّعين سيناقشون، الإثنين 5 فبراير/شباط، مقترحاً بإجراء الانتخابات في 25 أغسطس/آب المقبل والإبقاء على سال في منصبه لحين تنصيب خليفته.

هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تأجيل الانتخابات الرئاسية في السنغال، وهو ما فجّر حالة عدم اليقين، التي تهدد بإثارة مزيد من الاضطرابات على غرار الاحتجاجات الدامية في السنوات الماضية.

وفي علامة مبكرة على رد فعل الشارع على التأجيل، أغلقت مجموعات من المحتجين حركة المرور في عدة نقاط بطول طريق رئيسي في داكار بإطارات مشتعلة. وفي إحدى المناطق انسحب نحو 200 محتج لشوارع جانبية بعد أن أطلقت شرطة مكافحة الشغب عليهم قنابل غاز مسيل للدموع وبدأت في اعتقالهم.

كما تعرض مرشحان معارضان على الأقل في انتخابات الرئاسة لاعتداء من قوات الأمن. ففي منشور على الإنترنت، قال المرشح داوود ندياي إن الشرطة اعتدت عليه، فيما قال مدير حملة المرشحة أنتا بابكر نجوم، لرويترز، إن قوات الأمن اعتقلتها ولم يفرج عنها حتى مساء اليوم.

كما قالت رئيسة الوزراء السابقة أميناتا توري إنها احتُجزت واقتيدت إلى مركز للشرطة في داكار بمجرد نزولها من سيارتها. وكتبت توري على وسائل التواصل الاجتماعي، أمس الأول السبت، رداً على تأجيل الانتخابات “ورقة خروج الرئيس ماكي مُهرت الآن بخاتم هذا التراجع الديمقراطي غير المسبوق”.

ما خلفيات الموقف في عامل الاستقرار في أفريقيا؟

دعت المعارضة في السنغال إلى التظاهر، معلنة أنها تعتزم إطلاق الحملة الانتخابية في موعدها ورافضة إعلان الرئيس ماكي سال تأجيل استحقاق الاقتراع الرئاسي، بحسب تقرير لموقع فرانس 24 الفرنسي. فمرة أخرى، يغرق هذا البلد المعروف بأنه يشكل عامل استقرار في أفريقيا في المجهول، بعدما شهد حلقات من الاضطرابات الدامية منذ العام 2021.

الشيخ تيديان يوم، المتحدث باسم المعارضة، قال لإذاعة “آر إف إم” الخاصة: “نرفض المرسوم (الذي يؤجل الانتخابات الرئاسية). نطلب من جميع السنغاليين الانضمام إلينا الأحد في مسيرة” في داكار.

من جانبه، قال حبيب سي، أحد المرشحين العشرين الذين سيتنافسون في الاقتراع للإذاعة نفسها: “اجتمعنا واتفقنا على التجمع اعتباراً من الساعة 15,00 (بالتوقيتين المحلي وغرينتش) لإطلاق حملتنا (الانتخابية) بشكل جماعي”. كما دعا المعارض السنغالي خليفة سال أحد المرشحين الرئيسيين في الاقتراع، السبت، كل البلاد “للتصدي” لقرار تأجيل الاقتراع.

الاتحاد الأوروبي أكد أيضاً أن تأجيل الانتخابات الرئاسية يؤدي إلى “فترة من الغموض” في البلاد داعياً إلى إجراء الانتخابات “في أقرب فرصة”، بينما كانت فرنسا قد دعت السنغال إلى تبديد “الشكوك” الناجمة عن التأجيل لتنظيم الاقتراع “في أقرب فرصة”.

من جهتها، دعت الولايات المتحدة “القلقة جداً”، الأطراف السياسية إلى “المساهمة سلمياً في تحديد موعد جديد وشروط جديدة لانتخابات حرة ونزيهة”. أما منظمة “إيكواس” الإقليمية فأعربت عن “قلقها” وطلبت من السلطات العمل على تحديد موعد جديد بسرعة.

ماذا يحدث في السنغال؟ قرار رئاسي يشعل الاحتجاجات في الدولة الأفريقية، وهذا ما نعرفه عن أبعاد الأزمة

كان سال قد برر قرار التأجيل بوجود نزاع بين المجلس الدستوري والجمعية الوطنية (البرلمان) بعد المصادقة النهائية من قبل المحكمة على 20 ترشيحاً وإلغاء عشرات الترشيحات الأخرى. وبمبادرة من كريم واد، المرشح الذي شكك في نزاهة قاضيين دستوريين وطالب بتأجيل الانتخابات، وافقت الجمعية على تشكيل لجنة تحقيق في شروط المصادقة على الترشيحات.

وخلافاً للتوقعات، أيّد نواب المعسكر الرئاسي الخطوة. واندلعت أزمة حول فصل السلطات، لكنها غذت أيضاً الشكوك حول خطة الحكومة لتأجيل الانتخابات الرئاسية وتجنب الهزيمة، في ظل عدم وجود توافق حول مرشح المعسكر الرئاسي رئيس الوزراء أمادو با، داخل صفوفه ويواجه منشقين.

وبالمقابل، فرض باسيرو ديوماي فاي، المناهض للنظام والذي صادق المجلس الدستوري على ترشيحه رغم كونه مسجوناً منذ 2023، نفسه في الأسابيع الأخيرة كمرشح قادر على الفوز، وهو سيناريو يخشاه المعسكر الرئاسي.

وإلى ذلك، قال الرئيس سال إن السنغال لا تستطيع “تحمل أزمة جديدة” بعد الاضطرابات الدامية في آذار/مارس 2021 وحزيران/يونيو 2023، معلناً عن “حوار وطني لانتخابات حرة وشفافة”، ومشدداً على التزامه بعدم الترشح.

ووفق القانون الانتخابي، يجب نشر مرسوم يحدد موعد الاقتراع الرئاسي الجديد في موعد لا يتجاوز 80 يوماً قبل الاستحقاق، وهو ما سيؤدي في أفضل الأحوال إلى نهاية نيسان/أبريل المقبل، وهو سيناريو شبه مستحيل. وبالتالي سيبقى الرئيس سال في منصبه بعد انتهاء ولايته في الثاني من أبريل/نيسان.


اشتري وجبة شاورما لـ شخص 1 من طاقمنا، (ادفع 5 دولار بواسطة Paypal) | لشراء وجبة اضغط هُنا


منشورات ذات صلة