المغربتحقيقات

مدينة أوروبية فوق أرض إفريقية.. مدينة سبتة حيث يتعايش المسيحيون والمسلمون

سناء القويطي – قبل ما يزيد على عشر سنوات، قرّر الدكتور سعيد السراج الاستقرار نهائياً في سبتة، بعد سنوات قضاها في التدريس بالمغرب.

وتقع مدينة سبتة أقصى شمال المغرب، على البحر الأبيض المتوسط، وتخضع للسيادة الإسبانية منذ عام 1580.

حصل السراج على الدكتوراه في تاريخ الأديان والحضارة الشرقية، والماجستير في الفلسفة والعلوم الإنسانية بإسبانيا، وعمل أستاذاً للتعليم العالي قبل أن يقرر الحصول على التقاعد النسبي والتفرغ لعائلته.

يعود سعيد -الذي يحمل الجنسيتين المغربية والإسبانية شأنه شأن معظم مسلمي سبتة- بذاكرته عقوداً إلى الوراء، ليحكي ل”عربي بوست” قصة انتقال أجداده لسبتة.

يقول إن جده وجدته استقرا في هذه المدينة الخاضعة للسيادة الإسبانية منذ قرون، قادمين من مدينة الحسيمة، إبان الحماية الإسبانية لشمال المغرب.

شارك جد سعيد في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب الجنرال فرانكو، ضمن فرقة النظاميين التي كانت تضم الجنود المسلمين، وهي الفرقة التي كان يعتمد عليها فرانكو في حربه.

كان جده وغيره من المسلمين المغاربة الذين شاركوا في هذه الحرب مدفوعين -كما يقول- بحماس ديني لمحاربة الشيوعيين الملحدين من أجل نصرة الإسلام، إلى أن أصيب في إحدى المعارك في مدينة سرقسطة الإسبانية ومات.

كان والد سعيد، وهو الشيخ محمد السراج، آخر قاضٍ مسلم في سبتة، في وقت كان فيه لكل من المسلمين السبتيين والإسبان قضاء مستقل في الأحوال الشخصية.

بعد استقلال المغرب وإنهاء العمل بالقضاء المزدوج، قرر الشيخ محمد الاستقرار في مدينة المضيق، حيث عمل في تدريس القرآن والعلوم الشرعية، وفي هذه المدينة المحاذية لسبتة رأى سعيد نور الحياة.

تعايش الأديان

خلال سنوات حياته التي قضاها متنقلاً بين المغرب وسبتة وإسبانيا، عاين سعيد السراج تقلبات العلاقة بين مسلمي سبتة ومسيحييها.

يتذكر في طفولته وشبابه حالة التعايش بين سكان المدينة فيقول: “لم يكن أي تمييز بين المسلمين والمسيحيين الإسبان، كان السكان في مختلف أحياء المدينة يعيشون في انسجام وتناغم”.

وأضاف أنه “في عيد الميلاد ورأس السنة كان الإسبان يهدون المسلمين حلوياتهم، وفي أعيادنا الدينية كنا أيضاً نهديهم من حلوياتنا المغربية، وفي رمضان كانوا يحترمون صيامنا ويحرصون على عدم الأكل جهاراً، وكان الأطفال يدرسون في مدارس مختلطة”.

غير أن الحال تغير -كما يحكي سعيد- في العقد الأخير، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت إسبانيا بقوة، ودفعت آلاف المغاربة المقيمين في المدن الإسبانية إلى الهجرة نحو سبتة بحثاً عن حياة أفضل.

يوضح السراج أن ظهور الأحزاب اليمينة قوّض حالة التعايش في سبتة، وأصبح حزب “فوكس” الذي يمثل اليمين المتطرف يهاجم مغاربة سبتة ويحذر مما يسميه مؤامرة لمغربة المدينة.

هذا التحريض -حسب المتحدث- أدى إلى ظهور حالة من العنصرية والتمييز بين سكان المدينة، حتى أصبحت لأبناء المسلمين فصول دراسية وأخرى لأبناء المسيحيين.

التعايش بين انحسار وازدهار

يقطن في سبتة 37 ألف مسلم، ويمثل المسلمون حوالي 43% من مجموع سكان المدينة، حسب الأرقام الصادرة عن اتحاد المجتمعات الإسلامية في إسبانيا.

يقول الباحث المغربي في التاريخ، عدنان بن صالح، إن موضوع الدين لم يكن سبباً في أي صدام في المدينة خلال تبعيتها لحكم دول المغرب الأقصى الإسلامية، إلا أنه منذ الاحتلال الإسباني المباشر ستخلق حالة من النفور المتبادل بين المغاربة المسلمين والإسبان المحتلين.

ويوضح لـ”عربي بوست” أن “الأمر تغير عندما فرضت إسبانيا الحماية على جميع مناطق شمال المغرب، إذ أبدت سلطات الاستعمار رغبتها في تمكين المسلمين من أحقية ممارسة شعائرهم الدينية، وتشددت إزاء كل من يحاول المس بالمسلمين أو الدين الإسلامي في المدينة”.

ويذكر قاضي سبتة العلامة محمد السراج في مرجعه “خلاصة تاريخ سبتة بالأثر والمأثور”، أنّ “سياسة فرانكو الإسلامية كانت تُصرّ على أنْ تكون لساكنة المدينة حقوق التبعية لسلطة الإمام أمير المؤمنين وممثّله في المنطقة الخليفية (شمال المغرب)، وتُشجع على إحداث جمعية إسلامية في مليلية وسبتة وسيدي إفني، بأموال إسبانية، وبإشراف شخصي من الجنرال فرانكو.  فيما أرسى قانون حرية الأديان الصّادر سنة 1967 مبادئ المساواة والحريات الدينية بين الديانات الموجودة في المدينة”.

ويشير بن صالح إلى أنه في مرحلة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا سيخول دستور 1978 للمغاربة المسلمين حقوقاً دينية ومدنية، متساوين في ذلك مع معتقدي الديانات الأخرى، فتنامت مظاهر التعايش والسلم الاجتماعي بين الأقلية المسيحية والأكثرية المسلمة في المدينة، وكانت بينهما علاقات تزاوج ومصاهرة ومتاجرة وغيرها.

غير أنه يلفت إلى أن بداية الألفية ستشهد تضْييقاً على الهوية المغربية والعربية الإسلامية للمدينة، وذلك بضرْب التعليم العربي وتقوية اللغة الأمازيغية وتهميش العربية وخلْق حالات من التمييز العرقي بين المواطنين، وحشْر المغاربة في حي “البْرِينْسيبّي”، لإضعاف حالة التعايش بين المغاربة والإسبان، في استغلال وصفه ب”المتهور لأحداث الإرهاب الدولية”.

تاريخ عريق

بين الفينة والأخرى يظهر اسم مدينة سبتة في الإعلام، مرتبطاً بمحاولات الهجرة إليها بطرق غير قانونية، مهاجرون يتحينون الفرص لدخول هذه المدينة التي تخضع للسيادة الإسبانية، ويعتبرها المغرب أرضاً محتلة.

يتسلق بعضهم السياج الحدودي بشكل جماعي في مغامرة محفوفة بالمخاطر، ويحاول آخرون دخولها سباحة عبر الساحل الذي يربطها بمدينة الفنيدق المجاورة، إذ يعتبر الواصل إليها وطئ أرضاً أوروبية وهو في إفريقيا.

غير أن سبتة بعيداً عن تيمة الهجرة والصورة النمطية اللصيقة بها، مدينة لها تاريخ عريق، وتتميز بمعالم متنوعة، تغري بالزيارة والتعرف على أرض تعاقبت عليها حضارات مختلفة، ويعيش فيها المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب منذ قرون.

وقد مكّن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمدينة التي تبلغ مساحتها 18,5 كلم من التحكم في مدخل جبل طارق، ما خوّل لها لعب أدوار تاريخية مهمة على مستوى أحداث الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط منذ أقدم العصور.

اختلفت المصادر التاريخية حول أصل التسمية، بين التفسير الديني للكلمة الذي يربطها بسبت بن سام بن نوح، والتفسير اللغوي الذي يرى أن الاسم جاء من التعبير “سبت النعل” كما جاء في نزهة المشتاق، والتفسير التاريخي الذي يرى أن سبتة مشتق من الاسم الروماني septem fractres  الذي كان يُطلق قديماً على مجموع المرتفعات التي يتكون منها جبل موسى والتلال المجاورة الممتدة على طول المضيق.

يعتقد الباحثون أن الإغريقيين هم أول شعب وطئ المنطقة، ويستندون في ذلك إلى التراث الأدبي الذي تُجسده ملحمة الأوديسة الشهيرة، إذ يتفقون على أن التلال المحيطة بسبتة وبجزيرة البقدونس القريبة منها كانت موقعاً لأحداثها، إضافة إلى أسطورة هرقل المعروفة.

ودفع العثور على نقود قرطاجية بجبل الميناء، البعض إلى القول بالأصل القرطاجي للمدينة، وهو ما تؤكده الحروب القرطاجية الرومانية الثانية في مضيق جبل طارق.

انتقلت السيطرة من القرطاجيين إلى الرومان ثم البيزنطيين، وبعدها خضعت للقوطيين إلى أن أصبحت في بداية القرن الثامن تحت حكم ولاة الخلفاء الأمويين، وبعدها تحت سيادة الدول التي حكمت المغرب الأقصى من الأدارسة والمرابطين ثم الموحدين فالمرينيين، إلى أن كثفت حركة الاسترداد نشاطها فاحتلها البرتغاليون سنة  1415 وبعدهم الإسبان في 1580.

متحف نحت في الشارع

عندما تتجول في شوارع سبتة، فمن المألوف أن يسمع الزائر الأحاديث بين السكان بالعامية المغربية بلكنة أهل الشمال أو بالإسبانية.

وسيجد نفسه على موعد مع جولة في أكبر متحف للنحت البرونزي في الهواء الطلق في إسبانيا، وواحد من أهمها في أوروبا.

وتتوزع في شوارع المدينة منحوتات لشخصيات تاريخية وأسطورية، نحتها أهم فناني المدينة وإسبانيا.

ويمثل نصب أعمدة هرقل، الذي يوجد في موقعين مختلفين في المدينة، واحداً من أهم هذه المنحوتات وأعظمها.

يبلغ ارتفاع كل تمثال سبعة أمتار، ويزن كل واحد منهما 4 أطنان، وهما من أكبر المنحوتات البرونزية التي تجسد الأساطير الكلاسيكية في العالم.

يقف هرقل العظيم بكامل قوته وهو يمسك بعمودين “أبيلا وكالبي”، وأبيلا هو الاسم الأسطوري لسبتة، أما كالبي فهو جبل طارق، وترمز المنحوتة إلى انفصال واتحاد قارتي أوروبا وإفريقيا من خلال شخصية هرقل الأسطورية.

وفي حديقة مطلة على ميناء سانتا ماريا، ينتصب تمثال برونزي آخر يجسد إحدى الشخصيات المسلمة التي أنجبتها المدينة، ويتعلق الأمر بالجغرافي الشهير الشريف الإدريسي، أول من رسم خريطة للأرض على كرة من فضة.

يجسد التمثال شخصية الإدريسي وهو واقف على قدميه مرتدياً عمامة، ورافعاً بكلتا ذراعيه خريطته الشهيرة نحو السماء.

وغير بعيد ينتصب نصب تذكاري عبارة عن تمثال برونزي لتكريم المهندسين العسكرين، الذي عملوا طيلة قرون على بناء البنية التحتية للمدينة.

معالم متنوعة

لا يمكن زيارة سبتة دون التوقف عند الجدران الملكية، وهي جدران ضخمة محصّنة تفصل المدينة عن محيطها، وتتكون من حصنين كبيرين عند كل طرف من طرفي الجدار، ومحاطة بخندق مملوء بمياه البحر.

يعود تاريخ أقدم جزء من هذه الجدران إلى سنة 962، حين بدأ بناء أول أسوار سبتة من قبل خليفة قرطبة عبد الرحمن الثالث، واكتملت في عهد ابنه الحكم الثاني.

 تم توسيع هذه الجدران الضخمة عبر مراحل تاريخية مختلفة، كان آخرها بعد الحصار الكبير للمدينة من قبل السلطان العلوي المولى إسماعيل، الذي انتهى سنة 1727.

وتم إعلان هذه الجدران في عام 1985 موقعاً ذا أهمية ثقافية، وصنفتها إسبانيا في فئة المواقع التاريخية.

وفي شارع إفريقيا، يوجد مسجد مولاي المهدي، الذي يعد واحداً من أهم مساجد المدينة، ويطلق عليه أيضاً الجامع الكبير.

بدأ بناء المسجد سنة 1939 بتمويل من الحكومة الإسبانية، امتناناً للجنود المغاربة الذين شاركوا في الحرب الأهلية إلى جانب فرانكو.

ويحمل المسجد -الذي وضعته الحكومة المحلية ضمن المسارات السياحية المهمة للمدينة- اسم خليفة السلطان المغربي على المنطقة الشمالية مولاي المهدي العلوي، الذي شارك في حفل تدشينه.

ورغم مرور أربعة قرون على السيادة الإسبانية على هذه المدينة التاريخية، فإن المغرب لا يعترف بشرعية هذه السيادة، وينظر إلى جيبي سبتة ومليلية على أنهما مدينتان مغربيتان محتلتان، وطالب في مناسبات مختلفة باستردادهما.