المغربتحقيقات

فجأة هجرها النحل بعد أن كانت تنتج أجود أنواع العسل! ما قصة أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم؟

يعمل المغربي إبراهيم شتوي في تربية النحل منذ عقدين من الزمن، في أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم وهي الحرفة التي ورثها عن والده وأجداده في قرية إنزركي وسط جبال الأطلس الكبير بضواحي جماعة أركانة بإقليم تارودانت.

ويربي شتوي النحل في منحل إنزركي، ويطلق عليها بالأمازيغية “تدارت أوكرام”، وهو أقدم وأكبر منحل تقليدي في العالم والذي سجلته وزارة الشباب والثقافة والتواصل العام الماضي ضمن التراث الوطني.

وبُني هذا المنحل أو المزرعة الجماعية لتربية النحل بالطريقة التقليدية في القرن 16 بالطين والحجر والخشب وجذوع النخل والقصب بطريقة بسيطة ومعقدة في نفس الآن، يرتفع البناء على عدة طوابق، ينقسم كل طابق إلى خانات بأحجام متساوية.

وtd أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم توجد داخل كل خانة يوضع النحل في خلايا أسطوانية مصنوعة من اللحاء أو القصب المجدول محاط بالطين، ويتم عمل فتحة صغيرة تسمح بدخول وخروج أسراب النحل.

وتمتلك كل عائلة خانات خاصة بها تربي فيها النحل بالطريقة التي ورثوها عن أجدادهم، بينما أصبحت بعض الخانات مهجورة بسبب هجرة العائلات من القرية أو لجوئهم لأنشطة اقتصادية أخرى.

أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم

في كل صباح يتجه إبراهيم شتوي نحو تادارت، الذي يبعد عن بيته مسافة 200 متر لرعاية منحله ووضع المياه لنحلاته في أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم.

وبينما فضل بعض سكان القرية تربية النحل في صناديق قرب منازلهم بالطريقة الحديثة، ظل إبراهيم متمسكاً بالطريقة التقليدية لإنتاج العسل بتادارت إنزركي، لما يتميز به من جودة لا نظير لها.

وتقع أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم في موقع استراتيجي وسط الغابة، وفي أعلى جبل، ما يجعله معرضاً لأشعة الشمس طيلة النهار.

وتجد أسراب النحل في الغطاء النباتي المتنوع مثل الزعتر والزعيترة وأزهار شجر اللوز والأركان والخروب والأوكاليبتوس رحيقاً تنتج بفضله أجود أنواع العسل في المغرب.

يقول إبراهيم شتوي، وهو أيضاً رئيس جمعية تدارت إنزركي للتنمية المستدامة لـ”عربي بوست”، إن الأبحاث التي قامت بها الجمعية بينت أن ولياً صالحاً يُدعى الشريف سيدي محمد أولحسين -توفي سنة 1520 والمدفون بزاوية تافيلالت- هو من وضع حجر الأساس لهذا المنحل، لافتاً إلى أنهم اطلعوا على رسوم، أي وثائق عدلية تتعلق برهن المنحل ويعود تاريخها إلى عام 1160 هجرية/ 1747 ميلادية.

تنقسم القرية إلى قسمين: إنزركي العلوية وإنزركي السفلى، لم يبق في الأولى سوى سبع عائلات وفي الثانية 35، يزاول منهم تربية النحل حالياً 20 عائلة.

يقول الشتوي إن النحالة في القرية يفضلون العمل في الصناديق الحديثة لسهولتها وكثرة إنتاج العسل، بينما تتطلب الطريقة التقليدية في منحل تادارت عملاً ومجهوداً كبيرين، ومتابعة مكثفة للحصول على إنتاج أقل إلا أن جودته عالية ولا تضاهيها جودة عسل الصناديق الحديثة.

وتعد تربية النحل العمل الرئيسي لسكان قرية إنزركي، إلى جانب زراعة شجر الأركان والخروب والزيتون والخضر الموسمية.

غير أنه في السنوات الأخيرة وبسبب التقلبات المناخية والجفاف الذي تعاني منه المنطقة تعرضت خلايا النحل في أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم للموت.

هروب النحل

في هذا الموسم الفلاحي هجر النحل مسكنه في سابقة تاريخية، حيث اختفت خلاياه في كارثة بيئية مست أيضاً مناطق أخرى من المملكة.

يقول إبراهيم الشتوي في حديثه مع “عربي بوست” “بسبب الجفاف هذا العام فقدت 40 خلية من بين 130 في منحلي، وبعد التساقطات التي شهدتها البلاد في مارس/آذار نجت باقي الخلايا من الهلاك”.

ولتوفير الكلأ للنحل، قامت جمعية تدارت إنزركي العام الماضي بحفر بئرين، وزرع 20 ألف شتلة من الزعتر والزعيترة و3 آلاف شجرة من الخروب واللوز والزيتون، وهذا العام زرعوا ألفي شجرة من الخروب والرمان.

وينتج النحالة في المنحل ثلاثة أنواع من العسل، في شهر يوليو/تموز عسل الزعتر والزعيترة والعرعار، وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني يتم إنتاج عسل الخروب، وفي مايو/أيار عسل أركان مع باقي الأعشاب الطبيعية.

انهيار وترميم أقدم مزرعة لتربية النحل بالعالم

تعرض منحل إزركي لتدهور بنائه بسبب الكوارث الطبيعية وعوامل المناخ، ولم تستطع عمليات الترميم التي خضع لها مرتين الحفاظ عليه كما كان.

وبحسب شتوي فإن الترميم الذي خضع له المنحل في سنتي 1986 و2005 لم يتم بطريقة علمية، ولم يراعِ طريقة تصريف المياه التي وضعها مؤسسوه ما أدى إلى تدهوره.

وتقدمت جمعية تدارت إنزركي للتنمية المستدامة بملف متكامل لوزارة الثقافة المغربية، من أجل تصنيفه ضمن التراث الوطني، وهو ما تم العام الماضي.

وعملت وزارة الثقافة على إنجاز دراسة جديدة من أجل ترميمه وإعادة سقوفه إلى شكلها الأصلي، وإعادة تصريف المياه بالطريقة التي وضعها مؤسسوه، وهي الدراسة التي انتهت وينتظر العمل على تنفيذها من أجل التقدم بطلب لليونيسكو، لتصنيف هذا المنحل ضمن التراث العالمي، بوصفه أقدم وأكبر منحل تقليدي في العالم.

وبعد أن كان مجهولاً كوجهة سياحية أصبحت الأنظار تتجه إلى تادارت إنزركي، وتعمل الجمعيات المحلية على التعريف به إعلامياً وسياحياً، وتحرص الوكالات السياحية على وضعه ضمن المزارات السياحية الرئيسية خلال الرحلات التي تنظمها إلى المنطقة.

 أسلوب تدبير جماعي

في كتابه منحلة “تادارات إنزركي بإيدوزيكي”، يتناول الباحث عبد الله أزيكي التحولات التي خضعت لها هذه المزرعة الجماعية لتربية النحل عبر عدة حقب.

يقول في كتابه إن تادارات، التي شيدت في بداية القرن 16 تجسد فاعلية النظام الجماعي في التدبير والتسيير سياسياً واجتماعياً، كما تجسد صورة مصغرة لمبادئ القبيلة والإقرار بفاعلية العمل الجماعي كممارسة جماعية واجتماعية.

وحسب المصدر السابق فقد بنيت تادرات من طرف أهالي فخدة أمكنون، بدوار إنزركي، وفق تصميم معماري تقليدي، إذ استعمل فيها الطوب والجير والجبس والتبن، كما استعمل خشب أزوكا، أي الأرز، وأغصان شجر الدفلى، كما أحيطت تادارت بحائط لحماية المعسلة والنحل يصل علوه إلى 100 متر.

وبنيت المنحلة/تادارت على شكل عمارة من حوالي ست طبقات يتكون كل طابق من عدة خانات.

وحسب أزيكي، فقد أسهم هذا التصميم في صيانة تادارت وضمان بقائها الوجودي منذ العصور القديمة، كما قاومت التقلبات المناخية من الرياح والبرد في الخريف والمطر في الشتاء وحرارة الشمس في الصيف.

ويشير إلى أن اختيار مكان بنائها لم يكن عشوائياً، بل تم بطريقة دقيقة ومدروسة، فقد بنيت فوق الوادي لضمان مورد سقي النحل، وفي موقع مقابل لأشعة الشمس طيلة النهار، ويتميز بوفرة وتنوع الغطاء النباتي والأعشاب الطبيعية لإنتاج العسل الجيد.

تعرضت تادارت إلى الإهمال والتهميش من طرف السكان، كما تعرضت للإفراغ، لأن منخرطيها فضلوا إحداث مناحل مصغرة بجانب المنازل أو الحقول أو أماكن خالية في الجبل.

ويأمل الفاعلون المدنيون في المنطقة أن يكون تصنيف هذا الموقع تراثاً وطنياً، بداية في مسار الحفاظ على هذا الكنز المحلي، الذي يعكس أسلوب حياة ونمط عيش الأجداد.