غـــــــــــزة

يـــــــــــوم

تحليلات وتحقيقات

ماذا يعني السماح للبريطانيين الإسرائيليين بالمشاركة في العدوان على غزة؟

ابتهج رجلٌ بصور الرجال الفلسطينيين من بيت لاهيا في شمال غزة وهم عراة من ملابسهم الداخلية، حفاة وقد أُجبِروا على الجلوس في الشارع، وهي الصور التي أذهلت بقية العالم، وأثارت حفيظته بنفس القدر. كان هذا الرجل هو أرييه إسحق كينغ، نائب رئيس بلدية القدس.

كتب كينغ على منصة إكس، تويتر سابقاً: “لو كان الأمر بيدي لأرسلت جرافات دي-9 ووضعتها خلف أكوام التراب وأصدرت الأمر بردم كل هؤلاء المئات من النمل بينما هم على قيد الحياة”.

كينغ مواطن بريطاني هاجر والداه من بريطانيا إلى إسرائيل. وقد ارتقى إلى رتبة ملازم في لواء جفعاتي التابع للجيش الإسرائيلي، ومنذ ذلك الحين جعل تهويد القدس الشرقية المحتلة مهمة حياته. ولا يزال كينغ يحمل الجنسية البريطانية.

وفي عام 2020، كتب إلى بوريس جونسون، رئيس الوزراء آنذاك، يشكو فيه من إعراب بريطانيا عن “مخاوف خطيرة” بشأن بناء المستوطنات في منطقة القدس.

قال: “بصفتي مواطناً بريطانياً وأنحدر من عائلة لها علاقات وثيقة بحزب المحافظين في المملكة المتحدة، فقد فوجئت وفزعت عندما قرأت أن بريطانيا انضمت إلى العديد من الدول الأوروبية في “التأكيد على المخاوف الخطيرة” فيما يتعلق بالبناء في منطقة القدس”.

وقال كينغ إن البناء في القدس هو شأن إسرائيلي داخلي، وكما أن إسرائيل لن تفترض مناقشة أو النزاع على حدود لندن أو باريس، فإنه كان يتوقع نفس الاحترام من “حكومتك”.

تبرير جرائم الحرب 

بصفته مواطناً بريطانياً، سيكون كينغ موضع اهتمام فريق جرائم الحرب التابع لشرطة لندن، والذي يتحمل مسؤولية دعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في أي جرائم حرب ترتكبها إسرائيل في المنطقة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.

جانب من جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في غزة/ رويترز
جانب من جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في غزة / رويترز

إذا ظهر كينغ مرة أخرى في المملكة المتحدة، فقد يضطر إلى الرد على التعليقات التي أدلى بها حول الشعب الفلسطيني مثل: “إنهم ليسوا بشراً وليسوا حيوانات بشرية. إنهم دون البشر، وهذه هي الطريقة التي يجب أن يُعامَلوا بها”، و”القضاء على ذكر العمالق”. تشير كلمة العمالق إلى آيةٍ كتابية تدعو إلى إبادة كل رجل وامرأة وطفل، لعدوٍ قديم للشعب اليهودي، وإبادة حتى مواشيهم.

وكينغ ليس فريداً من نوعه. هناك إيلون ليفي، من شمال لندن، الذي أصبح المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية. لقد حاول ليفي باستمرار التقليل من خطورة حملة القصف الإسرائيلية. استخدم ليفي البيانات، التي ثبت لاحقاً كذبها، في محاولة لإظهار أن إسرائيل كانت تحقق أقل من 0.8 حالة وفاة في كل غارة جوية. وقال ليفي على تويتر: “هذا هو ما تبدو عليه الدقة الرائدة عالمياً”.

وأصبح بيتر ليرنر، الذي انتقل إلى إسرائيل من كنتون، شمال لندن، عندما كان في الثانية عشرة من عمره، وجهاً لجيش الاحتلال الإسرائيلي. بصفته مقدماً في الجيش، فهو المتحدث باسم الجيش لوسائل الإعلام الدولية. ورفض ليرنر فكرة أن رد جيش الاحتلال الإسرائيلي كان غير متناسب. وقال في مقابلة مع قناة LBC إن التناسب يتعلق بـ “الضرورة العسكرية” وليس بعدد المدنيين الذين يُقتَلون.

وحتى وقت كتابة هذا التقرير، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين 18,412، غالبيتهم من النساء والأطفال.

أود أن أرى ليرنر وليفي يدافعان عن هذا العدد من الوفيات أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أي محكمة قانونية في موطنهما بريطانيا. ويبدو لي أن كليهما يبرر جرائم الحرب.

ثم هناك المقدم ريتشارد هيشت، ذلك الضابط الإسكتلندي الذي استُخدِمَ كصوتٍ لجيش الاحتلال الإسرائيلي. ووعد هيشت، الذي انتقل إلى إسرائيل من نيوتن ميرنز الاسكتلندية في الثمانينيات، في المراحل الأولى من الحرب بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي سوف يرد “بقوة شديدة جداً” على هجوم حماس.

هناك أيضاً زكريا دويتش، الذي أخذ إجازة من عمله كرجل دين يهودي في عدة جامعات في يوركشاير للانضمام إلى القتال كجندي احتياطي. أرسل دويتش، وهو مواطن إسرائيلي له دور رعوي للطلاب في جامعتي ليدز وشيفيلد، سلسلة من مقاطع الفيديو إلى طلابه يدافع فيها عن حملة جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة.

وقال دويتش: “إذا كنت تعرف القصة الحقيقية لما كان يحدث هنا في إسرائيل على مدى آلاف السنين الماضية وعلى مدى المئة عام الماضية، فلا يمكن لأحد أن ينكر أن إسرائيل تتعامل مع هذه الحرب بمنتهى الأخلاق الحميدة”. وفي أحد مقاطع الفيديو، يبدو وهو يرتدي الزي العسكري الإسرائيلي.

سر المقاتلين الأجانب في إسرائيل

إن العدد الفعلي لليهود البريطانيين ومزدوجي الجنسية الذين يقاتلون في الجيش الإسرائيلي هو سر تحافظ عليه كل من إسرائيل والحكومة البريطانية.

لكن سام سانك، وهو جندي احتياطي في الجيش الإسرائيلي من ستانمور في شمال لندن، قال لصحيفة The Times البريطانية، إنه بناءً على حديث عددٍ من أصدقائه في الجيش، هناك “مئات، إن لم يكن الآلاف” من البريطانيين الذين يقاتلون في إسرائيل.

لكن الأرقام المعنية ليست السؤال الوحيد الذي ترفض الحكومة البريطانية الإجابة عنه.

هل من الصواب حقاً أن يقاتل يهودي بريطاني من أجل إسرائيل، وليس من حق الفلسطينيين البريطانيين أن ينضموا إلى جماعات غير محظورة مثل فتح ويدافعوا عن قراهم أو بلداتهم في الضفة الغربية المحتلة؟

هذا ما طرحته البارونة سعيدة وارسي بعد استقالتها من الحكومة بسبب دعم بريطانيا للعملية الإسرائيلية السابقة في غزة عام 2014. والسؤال نفسه يطرحه اليوم المحامون العاملون في المركز الدولي للعدالة للفلسطينيين. ويأتي السؤال على النحو التالي: “هل يعتبر سفر المواطنين البريطانيين إلى إسرائيل و/أو الأراضي الفلسطينية المحتلة للقتال في صفوف الجيش الإسرائيلي أو أي دولة أخرى أو جهة غير حكومية جريمة جنائية؟”.

إنه سؤال لا تريد وزارة الخارجية ولا وزارة الداخلية الإجابة عنه. وفي الواقع، عندما طرح موقع Middle East Eye البريطاني هذا السؤال عليهم، أحالت مكاتبهم الصحفية السؤال إلى بعضها.

هناك سببٌ بسيط لصمتهم عن الإجابة. إذا قالوا إن قيام مواطن مزدوج الجنسية من بريطانيا وإسرائيل بالقتال في الجيش الإسرائيلي ليس جريمة جنائية، على أساس أن إسرائيل دولة فاعلة، فكيف يفسرون حظرهم الصريح لقتال البريطانيين في أوكرانيا؟

ماذا يعني السماح للبريطانيين الإسرائيليين بالمشاركة في العدوان على غزة؟
سوناك في زيارة سابقة إلى أوكرانيا / رويترز

بعد أن كشفت صحيفة The Sun البريطانية أن أحد جنود كولد ستريم البالغ من العمر 19 عاماً كان من بين أربعة جنود بريطانيين مفقودين سافروا لمحاربة روسيا في أوكرانيا، قال غرانت شابس، وزير النقل آنذاك، للقوات: “لا يمكنك النهوض والذهاب فحسب”، مضيفاً أن البريطانيين الذين سافروا إلى أوكرانيا يخاطرون بزيادة “الوضع الخطير” سوءاً.

من الواضح أن بريطانيا لم تكن راغبة في أن تصبح أكثر عدوانية في حرب أوكرانيا مما كانت عليه بالفعل، من خلال تزويد كييف بالصواريخ بعيدة المدى. ولم تخجل من مطالبة مواطنيها بالبقاء بعيداً عن الأمر.

تنص نصيحة وزارة الخارجية بشأن أوكرانيا بشكل لا لبس فيه على ما يلي: “إذا سافرت إلى أوكرانيا للقتال أو لمساعدة الآخرين المشاركين في الحرب، فقد ترقى أنشطتك إلى مستوى الجرائم بموجب تشريعات المملكة المتحدة وقد تُحاكَم عند عودتك”.  لكن هذه المخاوف لم يُعبَّر عنها بشأن إسرائيل.

عندما طرحت وارسي هذا السؤال لأول مرة، اختبأت الحكومة وراء ورقة التوت المتمثلة في الجهات الفاعلة الحكومية والجهات الفاعلة غير الحكومية. وقالوا أيضاً إن إسرائيل لم تعلن الحرب في العملية ضد غزة عام 2014.

رأت وارسي أن هذا أمرٌ لا يُطاق، وقالت ذلك في مقابلة مع موقع Middle East Eye، وأضافت: “إذا خرجت إلى هناك وقاتلت لصالح أي مجموعة، فستكون عرضة للملاحقة القضائية عند عودتك. إذا خرجت وقاتلت من أجل الأسد، أفترض أنه بموجب قانوننا، لا بأس بذلك. هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً”.

وقالت: “السبب الوحيد الذي يجعلنا نسمح بوجود هذه الثغرة هو الجيش الإسرائيلي، لأننا لا نملك الشجاعة الكافية لنقول إذا كنت تحمل الجنسية البريطانية، فعليك أن تختار. أنت تقاتل من أجل دولتنا فقط. يجب أن يؤكَّد على ذلك بقوة”.

إشكالية عميقة 

عندما طُرِحَ السؤال نفسه في البرلمان، أشار توم توغندهات، وزير الدولة للأمن، إلى نقطتين متناقضتين: الأولى هو أن المملكة المتحدة تعترف بحق مزدوجي الجنسية في الالتحاق بالخدمة العسكرية في البلد الذي يحملون جنسيتهم الأخرى، وهو في حد ذاته خلاف مثير لإشكالية عميقة.

هل تعترف المملكة المتحدة بحق السوريين البريطانيين في القتال من أجل الرئيس بشار الأسد؟

لكن توغندهات ذهب إلى القول إن أي شخص يسافر إلى مناطق النزاع للمشاركة في نشاط غير قانوني يجب أن يتوقع أن يُستَجوَب عند العودة.

من الواضح أن كل ما يفعله جيش الاحتلال الإسرائيلي بالسكان المدنيين في غزة – التهجير، والقصف الشامل، وتحويل المستشفيات إلى ساحات قتال، واستهداف المرضى المصابين الذين يحاولون الإخلاء، وقصف ملاجئ الأمم المتحدة، وإجبار الأمهات على ترك أطفالهن في الطريق، وتجريد المدنيين من ملابسهم الداخلية وإجبار أحدهم على حمل بندقية كلاشينكوف، هو أمر غير قانوني وجريمة حرب وفقاً للقانون الدولي المعمول به منذ زمن طويل.

إن كونك جزءاً من الآلة العسكرية التي ترتكب هذه الجرائم الشنيعة، سواء كمقاتل أو كمتحدث رسمي، من شأنه أن يجعلك بحكم الأمر الواقع عرضة للمحاكمة عند عودتك إلى المملكة المتحدة.

هل سيحدث هذا؟ 

سوف تعمل حكومة المملكة المتحدة في ظل أي رئيس كل ما في جهدها لمنع حدوث ذلك، رغم احتجاجاتها المتكررة بأن كل قرار يعود إلى رئيس النيابة العامة.

لكن على كل حكومة تتجاهل هذه المسألة الملحة لسنوات قليلة أخرى أن تحذر مما تفعله هذه الثغرة بالعلاقات المجتمعية داخل بريطانيا.

لندن بريطانيا الشرطة البريطانية
مظاهرة في لندن دعماً للقضية الفلسطينية – أرشيفية – عربي بوست

فهل من الصواب عدم اتخاذ أي إجراء ضد البريطانيين الذين يبررون جرائم الحرب، في حين نحاكم أنصار الفلسطينيين الذين يتظاهرون في شوارع لندن بتهمة خطاب الكراهية؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر كراهية من الرغبة في رؤية المدنيين الأبرياء يُدفَنون أحياء؟

كيف يمكن تطبيق هذا المعيار المزدوج دون التأثير على العلاقات المجتمعية في المملكة المتحدة؟

من المؤكد أن الحل العادل الوحيد هو منع جميع المواطنين البريطانيين من القتال في الخارج، بغض النظر عن البلد أو السبب.

إن إسرائيل لم تصبح مقبرة للجهود الرامية إلى فرض القانون الدولي وإنشاء نظام عالمي قائم على القواعد فحسب. لقد أصبحت على وجه التحديد مقبرة لسيادة القانون في بريطانيا.


اشتري وجبة شاورما لـ شخص 1 من طاقمنا، (ادفع 5 دولار بواسطة Paypal) | لشراء وجبة اضغط هُنا


منشورات ذات صلة