غـــــــــــزة

يـــــــــــوم

منوعات

شارك في الكفاح الفلسطيني واعتقل ونُفِي.. من هو المطران هيلاريون كابوتشي؟

في 1 يناير/كانون الثاني أعلن الفاتيكان وفاة المطران هيلاريون كابوتشي عن عمر 94 عاماً، تفاعل الكثير من السياسيين والمثقفين مع الرجل، ربما جهله الكثير من الأجيال الحالية؛ لأن الرجل أوصى ألا تنشر سيرة حياته إلا بعد وفاته على رغم من الانتهاء منها منذ عام 1979، حتى لا يورط الفاتيكان بشروط قطعها البابا على نفسه مقابل الإفراج عنه.

هيلاريون رجل الدين الكاثوليكي ونائب بطريركي لمدينة القدس، الذي كان منخرطاً في النضال الفلسطيني المسلح، وكذا على مستوى السياسة والنضال السلمي؛ مما عرضه للاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي لثلاث سنوات، والنفي عن بلاد الشام وألا يزور ما أحب.

في أزقة حلب

وُلِد جورج بشير عام 1922 في حلب لأب مسيحي كاثوليكي ذي أصل تركي، كما يشير اسم العائلة “كابوتشي”، خاله هو السياسي وأحد مثقفي القومية العربي إدمون رباط، عمل والده كتاجر للسيارات، وتوفي والده وهو بعمر خمس سنوات.




نشأ في مدينة حلب حتى سن 11 عاماً، ليستأنف تعليمه الثانوي في دير الشير في لبنان، طورت تلك الفترة ارتباطه بمفهوم القومية العربية، حتى صار يرى نفسه جزءاً أصيلًا من هذا المكون الاجتماعي الذي يشغل المنطقة العربية.

وعندما بلغ ربيعه الثاني والعشرين ارتحل إلى دير القديسة آن في القدس، وهو في السكن سمع وقتها صوت انفجار ضخم، يهرع إلى مصدر الصوت، رأى أمامه الأشلاء والدماء، لتغير هذه الحادثة الكثير مما في داخله وإلى الأبد.

انفجار فندق داوود الذي أودى بحياة 91 شخصاً بين بريطاني وعربي، والذي نفذته جماعة الإرجون الصهيونية، كان للانفجار الأثر الكبير في حياة القس جورج بشير تجاه الصهيونية، وتعزيز الهوية القومية العربية.

** الاقتباس “بعد احتلال القدس بثلاثة أيام، كنت أسير بسيارتي في شوارع القدس مرتدياً بدلتي الكهنوتية، فاقترب مني فجأة جندي إسرائيلي وبصق على وجهي، فترجلت من السيارة وانهلت عليه ضرباً بالعصا، حتى سقط على الأرض، واقتنعت أن هؤلاء الغزاة لا ينفع معهم إلا السياط، ولا يد من العنف لكسر شوكتهم وشراستهم، ومن لحظتها قررت أن أعمل جاهداً لمواجهة المحتل”.

غزة الروح

في عام 1947م عُمّد كاهناً، فلسطين الحاضرة حقيقة حيث تطؤها قدماه، ووجدانياً عندما ربط اسمه البطريركي بها، فاختار أن يكون اسمه على اسم كاهن ولد في بلدة طابورة عام 291 ميلادية بالقرب من مدينة غزة “هيلاريون الناسك”، ارتحل الناسك إلى الإسكندرية وترهبن فيها، ثم عاد إلى الشام ناقلاً طرق التنسك والتقشف إليها، بعد أن تخلى عن ورثته بين إخوته وبين الفقراء، اعتزل في منطقة يقع عليها اليوم ميناء غزة.

أصبح اسم جورج بشير كابوتشي “هيلاريون كابوتشي”، وعين بعدها مديراً لمدرسة النهضة الوطنية في جبل لبنان، اختير رئيساً عاماً للرهبانية الحلبية 1963، قبل أن يرقى إلى رتبة مطران ويتولى نائباً بطرركياً في القدس لطائفة الروم الكاثوليك.

هيلاريون كابوتشي مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات

القومية والنضال

عندما توفي جمال عبد الناصر في سبتمبر/أيلول 1970 طلب المطران من الأساقفة في القدس رفع الأعلام السوداء في المقار، وقرع الأجراس في جنازته، وما دعي لأي محفل رسمي تنظمه إسرائيل إلا وامتنع عن الحضور، تلك النزعة لم تتوقف عند ذلك الحد.

شاهد هيلاريون احتلال القدس في هزيمة يونيو/حزيران 1967، بعد الاحتلال بثلاثة أيام كان يتنقل بسيارته، فوجئ بتهكم جندي إسرائيلي عليه فترجل من سيارته وقام بضرب الجندي بعصاة حتى أبرحه ضرباً، معلقاً أن ذلك الاحتلال لا يعامل إلا بالمثل، أي بالقوة.

مع تصاعد الكفاح المسلح بعد الهزيمة في عام 1968 من غور الأردن بدا له أن ينخرط في العمل النضالي، وبامتياز أن له جواز سفر دبلوماسياً لدولة الفاتيكان، بدا له أن يوظفها لخدمة المقاومة الفلسطينية، إذ عمد على المساهمة في حل مشكلة إمداد القواعد النضالية في الضفة وغزة بالسلاح، بسيارته التي لا تفتش حيث تقوم بنقل السلاح من لبنان في سيارته، وتسليمها لمعتمد بعد أن يخزنها في مدرسة الكنيسة اليونانية الكاثوليكية، في بيت حنينا.

كانت تحمل سيارته عشرات الكيلوغرامات من السلاح كانت تصل في بعض الأحيان إلى نصف طن، كذلك الذخيرة والتي كانت شحيحة في الأراضي المحتلة؛ مما يحول دون استمرار العمل المقاوم.

ولم يتوقف العمل عند حدود السرية، فقد شارك الرجل في تنظيم إضرابات في الداخل المحتل، وقد نظم أكثر من احتجاج وشارك فيه، هذا العمل السري فتح أعين أجهزة الاحتلال لتراقب نشاطه عن كثب.

في قاعة المحكمة

بعد سنوات ذهاباً إاياباً تتبع جهاز “الشاباك” الرجل، ووجد بالفعل لحظة للقبض عليه متلبساً، وفي 1974 وهو عائد من لبنان طلب منه تفتيش سيارته، فرفض متحججاً بجوازه الدبلوماسي، عائداً إلى قواعده مرة أخرى، وتحت الضغط سمح له حرس الحدود بالدخول.

طال انتظار المعتمد الذي كان يعمل ضمن خلية لتأمين السلاح للمقاومين ويتسلمها من المطران، وفي يوم 8 أغسطس/آب تم توقيف سيارته وهو يتنقل بها إلى القدس هو ومساعده، ليكتشفوا العديد من الأسلحة والصواعق والمتفجرات.

وبدأت محاكمة القس والذي رفض الاعتراف بالتهم، قبل أن يواجه بأمور أخرى جعلته يقر بأنه قام بعمليات محددة ومكان تخزين الأسلحة، بدأت في ذلك الوقت الضغوط تزداد على إسرائيل للإفراج عنه، لكنها لم تفعل، لكن ذلك ألهم المطران أن تتحول المحاكمة لعدوه وليس له باستمرار تلك الضغوط مع تعنته في التعاون.

اتخذ القرار الأول وهو أن يسحب توكيله للمحامي عنه، وبذلك تتعثر القضية؛ لأن أحد شروطها غير موجود، أضِف إلى أنه اعتزلهم فلم يعد يجيب عن أسئلتهم ولم يتفاعل معهم تماماً، إلى أن حكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً.

قضى منهم ثلاث سنوات حتى أفرج عنه بوساطة بابا الفاتيكان؛ حيث خففت إلى النفي عن فلسطين وسوريا ولبنان، ومن وقتها تحول إلى النضال الحقوقي والترويجي للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية. إلا أنه لم يلتزم بالقرارات التي اشترطتها إسرائيل من أجل الإفراج عنه؛ فزار سوريا عدة مرات.

بعمر 88 عاماً شارك المطران هيلاريون في أسطول الحرية لفك الحصار عن غزة، على متن سفينة “مافي مرمرة” عام 2010 والتي اقتحمتها القوات الإسرائيلية، وارتكبت فيها مجزرة بقتل العديد من المشاركين، ألقي القبض على هيلاريون وسلم للأردن ومنه إلى الفاتيكان.

توفي المطران هيلاريون كابوتشي في مطلع عام 2017 بعمر 94 عاماً، وحصل على نعي وتأبين شعبي ورسمي، وبعد وفاته بأحد عشر شهراً أسقطت المحكمة الجنائية الدولية الدعوى ضد إسرائيل بخصوص سفينة مرمرة التي كان أحد المشاركين فيها وأغلقت الدعوى. 


اشتري وجبة شاورما لـ شخص 1 من طاقمنا، (ادفع 5 دولار بواسطة Paypal) | لشراء وجبة اضغط هُنا


منشورات ذات صلة