دور الفلسفة في العلم: هل ماتت حقاً أم تنقذ العلماء من الأزمات؟
الـخـلاصـة حول دور الفلسفة في العلم
- 🔹 الملخص
- 🔹 تحليل
- 🔹 أسئلة شائعة
يُعد **دور الفلسفة في العلم** جدلاً صحياً، فبينما سخر فاينمان من أهميتها، أشار توماس كون إلى أن العلماء يلجؤون إليها تلقائياً في فترات ‘الأزمة’؛ حين يفشل النموذج الإرشادي السائد في حل المشكلات. الفلسفة تتيح ‘تنفساً معرفياً’ عبر تفكيك المفاهيم الأساسية (كالسببية والبرهان) وتوسيع مساحة الممكن. كما أنها تمد العلم بأدوات منهجية (مثل معيار القابلية للتكذيب لكارل بوبر) وتعمل كجهاز إنذار أخلاقي، ناقدةً الاستخدامات الكارثية للمعرفة (كالعنصرية العلمية والقنبلة النووية)، مما يضمن حوكمة المعرفة. (100 كلمة)
📎 المختصر المفيد:
• سخر الفيزيائي ريتشارد فاينمان من فلسفة العلم، مشبهاً أهميتها للعلم بأهمية علم الطيور للطيور.
• يرى توماس كون أن العلماء يلجؤون تلقائياً إلى الفلسفة في فترات ‘الأزمة’؛ حين يفشل النموذج الإرشادي السائد في حل المشكلات.
• تساعد الفلسفة العلم في تنقية المفاهيم وضبط التعريفات الدقيقة لمفردات مثل السببية، والقانون الطبيعي، والاحتمال.
• قدّم كارل بوبر معيار ‘القابلية للتكذيب’ كمعيار تنظيمي مهم للتمييز بين العلم واللاعلم، وهو معيار مقبول لدى العلماء.
• تعمل الفلسفة كجهاز إنذار أخلاقي، ناقدةً الاستخدامات الكارثية للمعرفة العلمية مثل العنصرية العلمية والقنبلة النووية.
ℹ️ خلاصة مختصرة لأهم ما جاء في الخبر قبل التفاصيل
قال الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل ريتشارد فاينمان ذات مرة إن “أهمية فلسفة العلم بالنسبة للعلم تشبه أهمية علم الطيور للطيور”.
يستخدم هذا الاقتباس غالبا في سياق السخرية من فلسفة العلم، غير أن التأمل فيه يكشف جانبا آخر، ففاينمان كان يرى أن العلماء “أهل صنعة”، وهي صنعة دقيقة ومهمة جدا وتتطلب كل وقتهم.
من هذا المنطلق فإنه ليس من المتوقع منهم أن يعملوا أو يُدلوا بآراء في غير مجال اختصاصهم؛ ولذلك قال أيضا “العالِم الذي يتحدث في غير شأن العلم أحمق بقدر الشخص الجالس إلى جواره”.

ما يقوله توماس كون
لكنّ الأمر قد يكون أعمق من ذلك، ففي كتابه “بنية الثورات العلمية” ينبه توماس كون إلى أنه في فترات “الأزمة”، أي حين يواجه العلماء في مجال ما مشكلات لا تُحل ضمن الإطار السائد، يميل العلماء تلقائيا إلى الفلسفة؛ لأنها تفتح باب التساؤل والنقاش حول أفكار جديدة غير بديهية، وقد تساعدهم على التفكير “خارج الصندوق” وكسر قيود النموذج الإرشادي.
يرى كون أن العلم لا يتحرك دائما بخط مستقيم من التراكم الهادئ، بل يمر غالبا بدورات، تبدأ بمرحلة “العلم عادي”، التي يعمل فيها الباحثون داخل نموذج إرشادي متفق عليه، يضم مجموعة من المسلمات والأدوات والمعايير والأمثلة الناجحة التي تُعرّف السؤال العلمي المقبول وكيف تُقاس الإجابة.
في هذا المناخ، لا يكون هدف العلماء عادة التشكيك في الأسس، بل حل “ألغاز” محددة، مثل تحسين القياسات، وتوسيع التطبيقات، وملء الفجوات داخل الإطار السائد.
لكنْ مع مرور الوقت تظهر شواذ أو استثناءات، أي نتائج لا تنسجم بسهولة مع النموذج، أو مشكلات تتكرر ولا تُحل رغم المهارة التقنية المتزايدة.
في البداية تُعامل هذه الشواذ باعتبارها ضوضاء تجريبية، أو نقصا في الأجهزة، أو خطأ في العينة، أو مجرد تفاصيل ستُسوّى لاحقا. غير أن تراكمها، يصنع ما يسميه كون “الأزمة”، أي لحظة يبدأ فيها الإطار نفسه بفقدان قدرته على توجيه البحث، فتتزعزع الثقة في قواعد اللعبة، ويصبح السؤال: هل المشكلة في البيانات أم في الطريقة التي نفهم بها البيانات؟
هنا تحديدا يميل العلماء إلى الفلسفة بمعنى عملي جدا، حيث يعودون إلى الأسئلة التي كان النموذج يحجبها أو يجعلها بديهية: ما المفاهيم التي نعتمدها أصلا؟ ما تعريفاتنا لماهية الظاهرة؟ ما الافتراضات المسبقة في أدواتنا ولغتنا؟ ما الذي نعدّه تفسيرا مقبولا؟ وما معايير “البرهان” و”السببية” و”القياس” في هذا المجال؟
ومن ثمّ، تتيح الفلسفة نوعا من التنفس المعرفي، أي توسيع مساحة الممكن.

دور مساعد
ويمكن للفلسفة بالفعل أن تؤدي هذا الدور بمهارة. بل إن بعض الفلاسفة الطبيعيانيين يوسّعون نطاق دور الفلسفة في مساعدة العلم ليشمل تنقية المفاهيم وضبط التعريفات، فتُحدِّد بدقة معاني مفردات مثل السببية، والقانون الطبيعي، والتفسير، والاحتمال، والعشوائية، والتعقيد.
وهذا مهم لأن كثيرا من الخلافات العلمية ينشأ أصلا من التباس مفاهيمي لا من نقص في البيانات.
وفي هذا السياق، تمد الفلسفة العلم بأدوات لتوضيح منطق الاستدلال وأساليب البرهنة، كالاستقراء والاستنباط، و”أفضل تفسير”، ودور النماذج والفرضيات المساعدة.
كما تعمل فلسفة العلم كنوع من “التشخيص المنهجي، فتسأل: كيف تُبنى النظرية؟ ومتى نعدّها مدعومة؟ وهل توجد تجربة حاسمة بالفعل؟ وبذلك تُبرز حدود المنهج ومواطن الخطأ مثل التحيزات ومشكلات القياس وقابلية التكرار.
وربما تُعين الفلسفة على تفسير ما تقوله النظريات عن العالم، فمثلا تساعد في إجابة أسئلة مثل: هل الكيانات في النماذج العلمية حقائق موجودة أم أدوات حسابية؟ ثم أنها تُسهم في التمييز بين العلم واللاعلم بمعايير عملية.
ولعل كارل بوبر مثال بارز على ذلك؛ إذ يُعد من أكثر الفلاسفة قبولا لدى العلماء لأنه قدّم معيارا تنظيميا مهمّا للتمييز بين العلم واللاعلم، هو “القابلية للتكذيب”.
في سياق القابلية للتكذيب، فالنظرية تكون علمية إذا كانت تُعرّض نفسها لاحتمال الخطأ، أي إذا أمكن -من حيث المبدأ- تصوّر ملاحظة أو تجربة محددة تُثبت أنها خاطئة.
لذلك لا يكفي أن تكون الفكرة “قابلة للتأييد” بكثرة الأمثلة، لأن التأييد قد يتراكم حتى مع الأفكار الضعيفة؛ بينما القوة العلمية تظهر حين تقدّم النظرية تنبؤات دقيقة ومحفوفة بالمخاطرة، وتظل صامدة أمام اختبارات قد تُسقطها.

الجميع يتفلسف
والواقع أن الجميع يتفلسف، ولو بدرجات متفاوتة. بل ولقد اتُهم نيلز بور بأن افتراضاته في ميكانيكا الكم “فلسفية بزيادة”، وهو ما عزله عن بقية فريق الكوانتم مطلع القرن الفائت.
لكن الأمر أكثر شيوعا مما قد تظن، فمثلا من السهل أن تلاحظ أن فاينمان نفسه في كتابه “طبيعة القانون الفيزيائي” مارس تفلسفا واضحا، وهو الرجل الذي اتهم بمعاداة الفلسفة، رغم أن ذلك ليس دقيقا.
وكذلك ستيفن هوكينغ، على الرغم من حديثه عن “موت الفلسفة” في كتاب “التصميم العظيم”، قدّم افتراضا تفسيريا للواقع عُرف باسم “الواقعية المعتمدة على النماذج”، وهو طرح فلسفي بامتياز.
وإذا تأملت قليلا، ستجد أن مشكلة بعض العلماء ليست مع الفلسفة في المطلق، بل مع بعض الفلاسفة تحديدا، فقد كان أينشتاين مثلا مستاء من الفلاسفة النسبويين الذين تجاوزوا بنظرية النسبية نطاقها، وذهبوا إلى أنها تعني أن “كل شيء نسبي”، وهو ما يقارب ما كان فاينمان يسميه “فلاسفة حفلات الكوكتيل”.
في كتابه “هراء أنيق”، يتعرض الفيزيائي الأميركي ألان سوكال، الذي يعمل في مجال الفيزياء النظرية، بالنقد اللاذع لعدد من الفلاسفة الذين يعتقد أنهم أساؤوا فهم العلوم، أو تلاعبوا بها.
اشتهر سوكال بالأساس بسبب حادثة فكرية لافتة في تسعينيات القرن الماضي عُرفت لاحقا باسم “خدعة سوكال”، ففي عام 1996 نشر سوكال مقالا بعنوان “تجاوز الحدود: نحو تأويل تحويلي للجاذبية الكمية” في مجلة سوشيال تكست، وهي مجلة أكاديمية معروفة في مجال الدراسات الثقافية وما بعد الحداثة.
كان المقال مكتوبا بلغة أكاديمية معقدة ومشحونة بمصطلحات فلسفية ونقدية، ويربط بين فيزياء الجاذبية الكمية وأفكار من التفكيك والنسبية الثقافية، لكن محتواه العلمي كان في جوهره مفتعلا ومليئا بالاستنتاجات غير المنطقية التي صيغت عمدا لتبدو عميقة ومقنعة.
بعد نشر المقال، أعلن سوكال صراحة أن النص كان تجربة متعمدة لاختبار معايير التحكيم الأكاديمي في بعض تيارات ما بعد الحداثة، وأنه أراد أن يرى ما إذا كانت مجلة مرموقة ستقبل مقالا فارغ المعنى علميا طالما أنه ينسجم أيديولوجيا مع خطابها النظري.
أثارت الواقعة جدلا واسعا حول العلاقة بين العلم والفلسفة، وحول إساءة استخدام مفاهيم علمية دقيقة في الخطاب الفلسفي دون فهم حقيقي لها.
وبغضّ النظر عن المواقف المتباينة من دوافع سوكال أو أسلوبه، فقد أصبحت قضيته علامة فارقة في النقاش حول صرامة المعرفة، وحدود التأويل، ومعايير الصدق في الكتابة الأكاديمية.

أهمية الفلسفة
لكنْ على الجانب الآخر، تظل الفلسفة مهمّة لثلاثة أسباب. الأول سبق ذكره، وهو دورها في تفكيك المفاهيم وبناء الأطر التي تساعد على التجديد عند الأزمات.
والثاني هو فهم العلم نفسه بوصفه طريقة استثنائية لاستكشاف الذات والكون، وتعلّم منهجيته، ثم محاولة الإفادة منها في مجالات أخرى؛ وهو ما يبدو واضحا اليوم في علم النفس والاقتصاد وعلم الاجتماع.
أما السبب الثالث فهو نقد العلم. فالعلماء بشر، وهم معرّضون للخطأ، وقد يُسيئون استخدام سلطتهم لتبرير كوارث.
تاريخيا، وُظّفت أدوات القياس والإحصاء والوراثة في “عنصرية علمية” تُلبس التحيّز ثوب الموضوعية، فتُحوّل فروقا اجتماعية إلى “حقائق طبيعية”، وتُنتج سياسات إقصاء وتمييز.
ومع القنبلة النووية يظهر وجه آخر، العلم لا يصنع المعرفة فقط بل يصنع القدرة. الفيزياء النووية فتحت بابا لفهم المادة والطاقة، لكنها حين ارتبطت بسباق الحرب والدولة تحوّلت إلى سلاح كاسح.
هنا تتبدّى مفارقة التقدم، فنفس المعادلات التي تُضيء مدينة يمكن أن تُبيدها. أخلاقيات العلم تحاول إدارة هذه المفارقة عبر مبادئ مثل تقليل الضرر، والمسؤولية عن الاستخدامات المتوقعة، والشفافية، والرقابة الديمقراطية، وعدم الاكتفاء بذريعة “أنا أقدّم حقائق والآخرون يقرّرون”، إلخ.
إلى جانب ذلك يأتي دور الفلسفة بوصفها جهاز إنذار ومعيارا للحكم، حيث تُعرّي الافتراضات (ما معنى تفوق؟)، وتميّز بين ما هو وصفي وما هو معياري (وصف الواقع لا يبرّر أخلاقه)، الخ.
كما تدفع الفلسفة إلى حوكمة المعرفة، التساؤل عمن يموّل؟ من يستفيد؟ من يتحمّل المخاطر؟ وكيف نضمن عدالة توزيع المنافع والأضرار؟
جدل صحي
لكنْ في النهاية، يظل الجدل حول دور الفلسفة في العلم صحيا، لأنه ربما يذكرنا بحدود الأدوار قبل أن يفرض على أحد دورا لا يخصّه.
فمن جهة، لا ينبغي أن نطالب العلماء بأن يكونوا فلاسفة بالضرورة، ولا أن نحمّل كل باحث عبء الإجابة عن الأسئلة الكبرى في المنهج والمعنى والقيمة. للعلماء عمل تخصصي ثقيل يكفيهم، يتضمن تصميم التجارب، بناء النماذج، اختبار الفرضيات، وتفكيك المشكلات المعقّدة قطعة قطعة.
وفي هذا المعنى تبدو ملاحظة فاينمان ذات وجاهة، فالعالِم من أهل صنعة محددة، والصنعة هنا ليست انتقاصا، بل وصف لمهارة نادرة تُنتج معرفة دقيقة، وربما كانت من أفضل ما أنجزه البشر حين يريدون فهم الطبيعة كما هي.
ومن جهة أخرى، فإن نفي دور الفلسفة بالكامل مهمة عسيرة، وربما غير ممكنة عمليا، لأن العلم لا يعمل في فراغ مفاهيمي.
والحلّ العملي ليس أن يتحول كل عالم إلى فيلسوف، ولا أن تُقصى الفلسفة كليا، بل أن نتعامل معها كحاجة تظهر بقدر ما تشتد الأسئلة وتتعقد الحدود.
🔍 تحليل دور الفلسفة في العلم وتفاصيل إضافية
تُشير هذه التطورات بوضوح إلى أن النقاش حول أسس المعرفة العلمية ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة استراتيجية تتعلق بالاستثمار في البحث والتطوير (R&D) وتوجيه السياسات العامة. عندما يواجه نموذج علمي سائد (بارادايم) أزمة، كما وصف كون، فإن هذا يعني توقفاً في العائد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمار في ذلك المجال. هنا يبرز **دور الفلسفة في العلم** كأداة لتقييم المخاطر المعرفية والمنهجية. فالدول التي تستثمر بكثافة في العلوم تحتاج إلى فلاسفة ومنهجيين لضمان أن الأموال لا تُنفق على ‘ألغاز’ لا تقود إلى تقدم حقيقي، بل على ‘ثورات’ تغير قواعد اللعبة. إن نقد الفلسفة للعلم، خاصة فيما يتعلق بأخلاقيات التقنية (مثل الذكاء الاصطناعي أو الهندسة الوراثية)، يتحول إلى حوكمة اقتصادية وسياسية. إن فهم **دور الفلسفة في العلم** يضمن أن التقدم التقني لا يتحول إلى عبء اجتماعي أو كارثة بيئية. كما أن معايير الصرامة المعرفية التي تفرضها الفلسفة، مثل معيار بوبر، تساعد في التمييز بين المشاريع البحثية الواعدة والمشاريع الزائفة التي قد تستنزف الموارد. إن تجاهل **دور الفلسفة في العلم** هو تجاهل لجهاز الإنذار الذي يحمي الاستثمار الاستراتيجي.
💡 إضاءة: حادثة ‘خدعة سوكال’ عام 1996، حيث نشر فيزيائي مقالاً فارغ المعنى علمياً في مجلة أكاديمية مرموقة لاختبار معايير التحكيم في تيارات ما بعد الحداثة.

