محمد طه – في ظل التطور المتسارع للإعلام الرقمي وتحوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى شريان رئيسي يغذي الحياة اليومية لملايين الأسر، برزت تساؤلات حاسمة حول ماهية المحتوى المقدَّم وحدود المسؤولية الملقاة على عاتق من يمسكون بزمام الكاميرا. وفي هذا السياق، خصّ صانع المحتوى الكوميدي فراس المباركي إذاعة صوت الغد بحوار استثنائي لم يتوقف عند محطات صناعة الابتسامة ومقاييس التفاعل، بل تجاوزها إلى تفكيك البعد القيمي لصناعة المحتوى المعاصر، داعياً إلى ضرورة إحداث نقلة نوعية في أسلوب الطرح ومستوى المضامين الرقمية.
شاشة الهاتف في قلب التجمع العائلي
استهل المباركي حديثه بالتأكيد على تحول بنيوي وجذري في طبيعة التلقي الجماهيري؛ إذ لم تعد منصات الفيديو ساحة معزولة يستهلكها الفرد بمفرده عبر سماعات الأذن، بل أصبحت عنصراً مركزياً حاضراً على الشاشات التفاعلية داخل غرف المعيشة والمجالس الأسرية.
وأوضح في هذا الصدد:
علينا كصناع محتوى أن ندرك بدقة واقع المشهد اليوم؛ مقاطعنا لم تعد حبيسة زوايا خاصة، بل أمست تخترق أبواب كل بيت وتُعرض أمام الأسرة مجتمعة بمختلف فئاتها العمرية، من الطفل الصغير إلى الوالدين وكبار السن. هذا الواقع الجديد لا يمنحنا حرية مطلقة من المسؤولية، بل يضعنا في موضع الضيف داخل تلك البيوت، والواجب الأخلاقي يقتضي ألا نكون عبئاً يخدش الحياء أو يسيء إلى قيم التماسك المجتمعي.
ويرى المباركي أن الاستسهال أو الاعتماد على لغة مبتذلة وإيحاءات رخيصة بهدف كسب الانتباه لا يُعد انتصاراً، بل تنازلاً عن أسمى مقومات العمل الرقمي، وتفريطاً بالدور التربوي والمجتمعي غير المباشر للمنصات.
وهم “الترند” وأزمة المعايير
وحول حمّى المشاهدات والسباق المحموم نحو تصدر قوائم الأكثر تداولاً، أشار المباركي إلى أن السعي وراء الخوارزميات دون التسلح بقيمة إبداعية رصينة أفرز ظاهرة “الاستهلاك اللحظي السريع”، مفنداً فكرة الاستسلام لمبررات السوق:
احترام ذائقة المتلقي: يمتلك المشاهد العربي وعياً نقدياً حاداً يُمكّنه سريعاً من التمييز بين النكتة الذكية المتسقة مع الواقع، وبين الصخب المصطنع الرامي إلى جمع التفاعلات السطحية.
البقاء للأثر المستدام: الابتذال يحترق سريعاً وينتهي مع أفول موجته، في حين أن المحتوى المبني على فكرة مدروسة هو الذي يبني رصيداً تاريخياً ومصداقية تحظى بثقة طويلة الأمد.
حماية الأجيال الناشئة: النشء اليوم يتعلمون المفردات ويكتسبون السلوكيات والأنماط المعرفية مما يشاهدونه يومياً على هواتفهم، الأمر الذي يجعل من كل تعبير أو لفتة مسؤولية مباشرة تجاه بناء وعي جيل بأكمله.
الكوميديا فن نقد وبناء لا تهريج
وانتقل المباركي في حديثه إلى جوهر تقديم الضحكة الرقمية، مبيناً أنها أداة نقد رفيعة ومرآة تعكس هموم الشارع وتفاصيل الحياة، وليست مجرد استجداء للمشاهدات عبر حركات عبثية أو إهانة للآخرين:
“الضحكة ليست غاية مستقلة بذاتها؛ هي وسيلة اتصال وأداة تعبير ذكية. الكوميديا تتطلب دراية بثقافة المجتمع ومراعاة مشاعر أفراده، والضحكة الحقيقية هي التي تخرج من رحم المفارقة الدقيقة لتفاصيل الحياة دون تجاوز للخطوط الأخلاقية أو استهانة بالكرامة الإنسانية”.
ودعا المباركي إلى دحض المفهوم الخاطئ بأن الالتزام يقيد الانتشار، مؤكداً أن قمة الاحتراف تكمن في القدرة على إبهار الجمهور وصناعة الابتسامة، مع البقاء في إطار الرقي الكامل الذي يشرف صانع المحتوى أمام جمهوره ومجتمعه.
ميثاق شرف لصناع المحتوى
واختتم صانع المحتوى فراس المباركي حديثه بتوجيه دعوة مفتوحة لكافة زملائه في الوسط الرقمي والجيل الصاعد من المبدعين، حاثاً إياهم على الالتزام بـ “ميثاق ضمير” ذاتي يحكم ما يتم بثه، ولخصه في معيار بسيط وواضح:
قبل أن تضغط زر النشر وتطلق عملك للفضاء العام، اعرضه بصدق على والديك وإخوانك الصغار؛ فإن كنت تسعد بأن يجتمعوا عليه وتفخر بوجود اسمك عليه أمامهم، فامضِ في طريقك. مقاطعنا أصبحت في كل بيت، ودعوتنا اليوم هي أن نرتقي بأقوالنا وأفعالنا لنكون على قدر هذه الثقة والمسؤولية”.صانع المحتوى فراس المباركي: وصول مقاطعنا إلى كل منزل يفرض علينا واجباً أخلاقياً للارتقاء بالرسالة والذوق العام.
—
تابع صوت الغد على : نبض | فيسبوك | تيك توك | إنستغرام | واتساب | تويتر × | تيلغرام | لايف ستايل
ghad.ps/L6bkH
